7:46 6:24 4:01 1:03 6:15
 
خطأ
  • XML Parsing Error at 1:337. Error 9: Invalid character

إن من أصول أهل السنة والجماعة الإيمان بكرامات الأولياء وإثباتَها والتصديقَkaramat

بها واعتقاد أنها حق، وذلك باتفاق أئمة أهلالإسلام والسنة والجماعة، وقد دل عليها القرآن في غير موضع، والأحاديث الصحيحة، والآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين وغيرهم. ولذا أودع أهل السنة والجماعة رحمهم الله هذا الأصل في كتب الاعتقاد، وأفردوها بالأبواب المستقلة،وبينوا بالأدلة الصحيحة ما يتعلق بأفراد هذه المسألة.

 وقد انقسم الناس حيال هذه المسألة إلى ثلاثة أقسام:

 الأول:   مغال فيها مثبت لكل خارق، فكل ما صدر من أي عبد؛ صالحاً كان أو طالحاً وفيه نوع غرابة عدوه من قبيل الكرامات التي تدل على قربه من الله؛ وأنه من المصطفين؛ فأدخلوا السحرة والكهان والعرافين والدجالين من ضمن الأولياء؛ وأغلبهؤلاء من غلاة التصوف وأرباب الطرق.

 الثاني:  الجفاة عن نصوص الوحي ودلائلها الدالة على وقوع الكرامة للمؤمنين، ونفوا وقوعها وزعموا أن الخوارق لو جازظهورها من الأولياء لالتبس النبي بغيره إذ فرق ما بينهما -عندهم- إنما هو المعجزة، وبنوا على ذلك أنه لا يجوز ظهور خارقإلا لنبي، وممن ذهب إلى هذا القول المعتزلة قديماً ومن تأثر بهم حديثاً.

 الثالت:  أهل السنة الذين أثبتوا الكرامات، لكن لا على وجه الإطلاق، فقيدوها بما قيدته النصوص الشرعية، ووَفقِ الأدلةِ دونغلو أو جفاء أو إفراط أو تفريط، فكانوا أسعد بالوسط الذي هو العدل الخيار، وهدوا إلى الصراط المستقيم.

والكرامة في اللغة:  مأخوذة من الإكرامُ والتَّكْرِيمُ، قال الزبيدي في تاج العروس من جواهر القاموس (33 / 337): -هي- أَنيُوصَلَ إلى الإنْسَانِ بنَفْعٍ لا تَلْحَقُه فيه غَضَاضَةٌ، أو يُوصَل إليه بشيءٍ شَرِيفٍ، وقال الشاعِرُ:  

إِذَا ما أَهانَ امرؤٌ نَفْسَه     فَلا أَكرمَ اللّهُ مَنْ اَكْرَمَهْ.

 وقال ابن منظور في لسان العرب (12 / 510):  والتَّكْرِيمُ والإكْرامُ بمعنى؛ والاسم منه:  الكَرامة، قال ابن بري:  وقال أَبوالمُثَلم:  ومَنْ لا يُكَرِّمْ نفْسَه لا يُكَرَّم.

 أما الكرامة في اصطلاح أهل السنة فقد عرفها بعضهم بقوله:  أمر خارق للعادة جرى على يدَيْ ولي.

 وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (11 / 311) : "وَإِنْ كَانَ اسْم الْمُعْجِزَةِ يَعُمُّ كُلَّ خَارِقٍ لِلْعَادَةِ فِي اللُّغَةِوَعُرْفِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَالْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ - وَيُسَمُّونَهَا:  الْآيَاتِ - لَكِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ يُفَرِّقُ فِي اللَّفْظِ بَيْنَهُمَافَيَجْعَلُ "الْمُعْجِزَةَ " لِلنَّبِيِّ وَ "الْكَرَامَةَ" لِلْوَلِيِّ وَجِمَاعُهُمَا الْأَمْرُ الْخَارِقُ لِلْعَادَةِ.

 قال الإمام الطحاوي:  "ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء عليهم السلام ونقول:  نبي واحد أفضل من جميعالأولياء، ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم.

 وقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (3 / 156):  "وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ:  التَّصْدِيقُ بِكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَمَا يُجْرِي اللَّهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ فِي أَنْوَاعِ الْعُلُومِ وَالْمُكَاشَفَاتِ وَأَنْوَاعِ الْقُدْرَةِ وَالتَّأْثِيرَاتِ كَالْمَأْثُورِ عَنْ سَالِفِ الْأُمَمِ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ وَغَيْرِهَا وَعَنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ قُرُونِ الْأُمَّةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ."

 وثبوت الكرامة في الكتاب والسنة مستفيض مشهور.

 ومن أدلتها في الكتاب قصة أصحاب الكهف، وما وقع لهم مما هو خارق للعادة، وآية لإثبات المعاد على المنكرين.

ومن الأدلة ما وقع لمريم ابنة عمران من الرزق ومجيئه إليها بسهولة ويسر.

 ومن أدلة السنة ما رواه البخاري ومسلم عن أسيد بن حضير رضي الله عنه قال:  بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جَالَتِ الفرس فسكت فسكتت، فقرأ فَجَالَتِ الفرس فسكت وسكتت الفرس، ثم قرأ فَجَالَتِ الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبا منها فأشفق أن تصيبه، فلما اجْتَرَّه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حَدَّث النبي صلى الله عليه وسلم فقال:  اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير. قال:  فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظُّـلة فيها أمثال المصابيح، فَخَرَجَتْ حتى لا أراها. قال:  وتدري ما ذاك ؟قال:  لا. قال:  تلك الملائكة دَنَتْ لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم.

 وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن رَجُلين خَرَجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة وإذا نور بين أيديهما حتى تفرّقا فتفرق النور معهما.

 وفي رواية له:  كان أسيد بن حضير وعباد بن بشر عند النبي صلى الله عليه وسلم.

 وروى البيهقي في" الاعتقاد "واللالكائي في" كرامات الأولياء " من طريق نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب بعث جيشاوأمَّر عليهم رجلا يُدعى سارية، قال:  فبينا عمر يخطب قال:  فجعل يصيح وهو على المنبر:  يا سارية الجبل، يا سارية الجبل.قال:  فَقَدِم رسول الجيش فسأله فقال:  يا أمير المؤمنين لقينا عدونا فهزمونا، وإن الصائح ليصيح:  يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، فَشَدَدْنا ظُهورنا بالجبل فهزمهم الله. فقيل لِعُمَر:  إنك كنت تصيح بذلك.

 روى ابن عساكر من طريق ثابت البناني قال:  جاء قَيِّم أرض أنس، فقال:  عطشت أرضوك، فتردى أنس، ثم خرج إلى البرية،ثم صلى ودعا، فثارت سحابة، وغشيت أرضه ومطرت، حتى ملأت صهريجه وذلك في الصيف، فأرسل بعض أهله، فقال:  انظر أين بلغت ؟ فإذا هي لم تَعْدُ أرْضه إلاَّ يسيرا.

قال الذهبي:  هذه كرامة بَيِّنَة ثَبَتَتْ بإسنادين.

عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنّ أَرْوَىَ بِنْتَ أُوَيْسٍ ادّعَتْ عَلَىَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَنّهُ أَخَذَ شَيْئاً مِنْ أَرْضِهَا، فَخَاصَمَتْهُ إِلَىَ مَرْوَانَ بْنِالْحَكَمِ، فَقَال سَعِيدٌ:  أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئاً بَعْدَ الّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ قال:  وماسَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ قَال:  سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَقُولُ: "مَنْ أَخَذَشِبْراً مِنَ الأَرْضِ ظُلْماً طَوّقَهُ إِلَىَ سَبْعِ أَرضِينَ". فَقَال لَهُ مَرْوَانُ:  لاَ أَسْأَلُكَ بَيّنَةً بَعْدَ هَذَا، فَقَال:  اللّهُمّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَعَمّبَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا. قَال:  فَمَـا مَاتَتْ حَتّىَ ذَهَبَ بَصَرُهَا ثُمّ بَيْنَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ.

 وفي رواية:  قال:  فرأيتها عمياء تلتمس الجدر، تقول:  أصابتني دعوة سعيد بن زيد فبينما هي تمشي في الدار مرّت على بئرفي الدار، فوقعت فيها فكانت قبرها. رواه البخاري مُختصرا ومسلم بِطوله.

 ومنها:  دعوةُ سعد بن أبي وقاص- أحد العشرة المبشرين بالجنة -على أسامة بن قتادة:  

 عن عبدُ الملكِ بنُ عُميرٍ عن جابرِ بنِ سَمُرةَ قال:  شَكا أهلُ الكوفةِ سَعدَ بن أبي وقاص إِلى عمرَ -رضي الله عنه- فعزَلَهُواستعملَ عليهم عَمّاراً، فشَكَوا حتى ذَكروا أَنّهُ لا يُحسِنُ يُصلّي، فأَرسلَ إِليه فقال:  يا أبا إسحاق! إنّ هَؤلاء يَزعُمونَ أَنّكَ لاتُحسِنُ تُصلّي! قال أبو إِسحاقَ:  أمّا أنا واللهِ فإني كنتُ أُصلي بـهم صلاةَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما أخرِمُ عنها،أُصلّي صلاةَ العِشاءِ فأَركُدُ في الأُولَيَيْنِ وَأُخِفّ في الأُخرَيَينِ. قال:  ذاكَ الظنّ بكَ يا أبا إِسحاقَ، فأَرسلَ معه رجُلاً – أو رجالاً –إلى الكوفةِ فسألَ عنه أهلَ الكوفةِ، ولم يَدَعْ مسجداً إِلاّ سـألَ عنه، وَيُثنونَ مَعروفاً، حتى دخلَ مسجداً لِبني عبسٍ، فقامَ رجلٌ منهميُقالُ له:  أُسامةُ بنُ قَتادةَ، يُكْنىَ أَبا سَعدةَ قال:  أمّا إِذ نَشَدْتَنا فإِنّ سَعداً كان لا يَسيرُ بالسرِيّةِ، ولا يَقسِمُ بالسّوِيّة، ولا يَعدِلُ فيالقَضيّة.

 قال سعدٌ:  أَما وَاللهِ لأدْعوَنّ بثَلاثٍ:  اللّهمّ إِن كان عبدُكَ هذا كاذباً قامَ رِياءً وَسُمعةً، فأَطِلْ عمرَهُ، وَأَطِلْ فَقرَهُ، وَعَرّضْهُ بالفِتَنِ،وكان بَعدُ إِذا سُئلَ يقول:  شَيخٌ كبيرٌ مَفتون أصابَتْني دَعوةُ سعد. قال عبدُ الملكِ - أي ابن عمير-:  فأنا رأيتُه بعدُ قد سَقطَ حاجِباهُعَلَى عَينيهِ منَ الكِبَرِ، وإِنه ليَتعرّضُ للجواري في الطّرقِ يغمزهُنّ.

 وفي رواية:  فما مـات حتى عميَ، فكان يلتمس الجدران، وافتقر حتى سأل، وأدرك فتنة المختار فقُتِلَ فيها. رواه البخاريومسلم.

 وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال:  أقبل سعدٌ من أرضٍ له، فإذا الناس عكوفٌ على رجل، فاطّلع فإذا هو يسبُّ طلحةوالزبير وعلياً، فنهاه، فكأنما زاده إغراءً، فقال:  فقال:  ويلك! تريدُ أن تسـبَّ أقواماً هم خيرٌ منك ؟ لتنتهينّ أو لأدعونّ عليك.فقال: كأنما تخوفُني نبيّ من الأنبياء! فانطلق فدخل داراً فتوضأ، ودخل المسجد ثم قال:  اللهم إن كان هذا سبّ أقواماً قد سبقتلهم منك حسنى، أسخطك سبُه إياهم، فأرني اليوم آيةً تكونُ للمؤمنين آيةً. قال:  وتخرج بُختيةٌ من دار بني فلان لا يردُها شيءحتى تنتهي إليه، ويتفرّقَ الناسُ، وتجعلَه بين قوائمها وتطـأه حتى طفـي، قال:  فأنا رأيت سعـداً يتبعـه الناس يقولون:  استجـابالله لك يا أبا إسحـاق -مرتين- رواه ابن أبي شيبة مختصراً ورواه الطبراني في الكبير، وقال الهيثمي:  رواه الطبراني ورجـالهرجـال الصحيح.

 وعن قَبيصة بن جابر قال:  قال ابن عـمّ لنا يوم القادسية:

ألم تر أن الله أنـزل نصـره                   وسعدٌ بباب القادسيـة معصَمُ

فأُبنا وقد آمت نساءٌ كثيرةٌ                      ونسوةُ سعد ليس فيهن أيّـمُ

 فلما بلغ سعداً. قال:  اللهم اقطع عنّي لسانه ويده، فجاءت نُشّابَةٌ أصابت فاه فخرس، ثم قُطعت يدُه في القتال، وكان في جسد سعدقروح فأخبر الناس بعذره عن شهود القتال، فعذروه، وكان سعد لا يجبن، وقال:  إنما فعلت هذا لما بلغني من قولكم. واه الطبرانيفي الكبير، وقال الهيثمي:  رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات.

 ضوابط من تقع له الكرامات:

 أولاً:  أن يكون من وقعت له من عباد الله المؤمنين: فمن لم يكن له مصدقاً

 فيما أخبر به ملتزماً طاعته فيما أوجب وأمر به في الأمور الباطنة التي في القلوب والأعمال الظاهرة التي على الأبدان لم يكنمؤمناً فضلاً عن أن يكون ولياً لله، ولو حصل له من خوارق العادة ما عسى أن يحصل؛ فإنه لا يكون مع تركه لفعل المأموروترك المحظور - من أداء الواجبات من الصلاة وغيرها بطهارتها وواجباتها - إلا من أهل الأحوال الشيطانية المبعدة لصاحبهاعن الله المقربة إلى سخطه وعذابه.

 ثانياً:  أن لا يجزم في كل خارق يحصل له أنه كرامة؛ بل الواجب عليه أن يعرض أقواله وأفعاله على الكتاب والسنة، فإن كانتموافقة لها فهي حق وصدق وكرامة من الله - سبحانه - وإن كانت مخالفة لشيء من ذلك فليعلم أنه مخدوع ممكور به، قد طمعمنه الشيطان فلبَّس عليه.

 ثالثاً:  أن لا يدعي صاحبها الولاية؛ لتعذر الجزم بقبول العمل، كما وصف الله - عز وجل - حال أوليائه المؤمنين المتقين، فقال: ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) المؤمنون:  ٦٠ - ٦١. وقد سألت عائشة- رضي الله عنها -النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقالت:  أَهُمُ الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال:  لا، يا بنت الصديق؛ ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يُقبَل منهم، أولئك يسارعونفي الخيرات. ثم إن في ادعاء الولاية تزكية للنفس وذلك منافٍ لحال الولاية.

 رابعاً:  أن لا تكون الكرامة غايته، يطلبها ويسعى في حصولها؛ فهو خلاف حال السلف.

 ضوابط الكرامة ذاتها:

 أولاً:  أن لا تشتمل الكرامة على ترك شيء من الواجبات، أو فعل شيء من المحرمات، أو التزام شيء من العبادات لم يرد فيه نص شرعي ؛ وذلك لأن الولي إنما نال الكرامة بطاعته وإيمانه؛ فلا يمكن بحال أن تكون تلك الكرامة سبباً لتركه شيئاً مما نالهابه، ثم إن المحرَّم خبيث، والله لا يكرم عبده بخبيث؛ كما أن من دلائل الولاية الوقوف عند النصوص الشرعية فلا يكون ولياً لله من أحدث في دين الله - تعالى - ما ليس منه.

 ثانياً:  ألا تشتتمل على ما عُلِم في الشريعة عدم وقوعه، كدعوى لقيا النبي صلى الله عليه وسلم يقظة، وكأن يرى شخصاً علىصورة نبي أو ملك أو صالح يقول له:  قد أبحت لك الحرام، وأحللت لك الحلال، أو أسقطت عنك التكاليف.

 قال الشاطبي:  "مخالفة الخوارق للشريعة دليل على بطلانها في نفسها، وذلك أنها قد تكون في ظواهرها كالكرامات، وليس كذلك؛ بل من أعمال الشيطان. كما يُحكى عن عبد القادر الجيلاني أنه عطش عطشاً شديداً، فإذا سحابة قد أقبلت وأمطرت عليه شبه الرذاذ حتى شرب، ثم نودي من سحابة: "يا فلان! أنا ربك، وقد أحللت لك المحرمات". فقال له: اذهب يا لعين، فاضمحلتالسحابة. وقيل له:  بِمَ عرفت أنه إبليس ؟ قال:  بقوله: قد أحللت لك المحرمات. هذا وأشباهه لو لم يكن الشرع حَكَماً فيه لما عرفأنها شيطانية.

ثالثاً:  ألا يستعين بالكرامة على معصية الله - عز وجل - فإن أكمل الكرامات ما كان معيناً على طاعة الله - عز وجل - أماالكرامة والكشف والتأثير إن ( لم يكن فيه فائدة كالاطّلاع على سيئات العباد، وركوب السباع لغير حاجة، والاجتماع بالجن لغيرفائدة، والمشي على الماء مع إمكان العبور على الجسر فهذا لا منفعة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهو بمنزلة العبث واللعب.

 أعظم الكرامة لزوم الاستقامة:

 ليس وقوع الخارق أمراً لازماً للولي، فكم من الأولياء الصادقين – من الصحابة فمن بعدهم - قلم تقع لهم خوارق! وكم منالسحرة والمبطلين من وقعت لهم الخوارق،! ولا شك أن الخوارق ابتلاء للعبد من جنس النعم، وليس حصولها برهاناً على فضلالرجل عند الله، ولا عدمها دليلاً على هوانه.(وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ) الفجر: ١٥ - ١٦

 لكن الكرامة الحقة - التي بها نجاة العبد - إنما هي استقامته على أمر الله - عز وجل - حتى يأتيه اليقين.

 فالقصد أن الولاية لا تستلزم الكرامة، فليس من شرط الولي أن يؤتى كرامة، بل الجماهير من الصحابة ما أوتوا كرامةً، ومنغلط كثير من أئمة الصوفية حتى بعض الفضلاء منهم، أنهم يلتفتون إلى طلب مقام الكرامة، وهذا الالتفات والتحري لا شك أنهلم يكن من هدي السلف الأول، ولم يكن من هدي الصحابة، وأئمة الإسلام من أهل العلم، بل هو مخالف للسنة والأثر. وهذهالخوارق التي تقع لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام توزن بميزان الشرع، فإن كانت لولي فإنها تسمى كرامةً، وإن كانت لغيرولي فهي من الخوارق الشيطانية.

 ومن أراد الاستزادة فليُراجِع كتاب "كرامات الأولياء" للإمام اللالكائي، و"قاعدة في كرامات الأولياء" لشيخ الإسلام ابن تيمية و"الإنصاف في حقيقة الأولياء" للصنعاني 
المشاهدات: 1186
التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy

من اليهودية إلى الإسلام عبد الله المُشَهِّد ولاء

من اليهودية إلى الإسلام  عبد الله المُشَهِّد  ولاء وبراء، تكافل وإخاء

  إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾[سورة آل عمران آية 102]﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ... إقرأ المزيد

أبو معاذ عمار بن محمد الأثري l مشاهدات :2523 l العقيدة

محبة الله تعالى وجوبها وفضلها وأسبابها ولوازمها

محبة الله تعالى وجوبها وفضلها وأسبابها ولوازمها

  إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، أمّا بعد: فإنّ محبة الله تعالى عبادة من أهمّ العبادات القلبية، ومنزلة عظيمة من منازل الدّين، هي قوت القلوب وغذاء الأرواح، وقرّة العيون وسرور النفوس، ونور العقول وعمارة الباطن، وهي الحياة التي مَن حُرِمَها فهو من جملة... إقرأ المزيد

محمد حاج عيسى الجزائري l مشاهدات :2294 l العقيدة

الْأَسَالِيبُ الْبَلَاغِيَّةُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيل

الْأَسَالِيبُ الْبَلَاغِيَّةُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ -تَأَمُّلٌ وَتَحْلِيلٌ-

الْـحَمْدُ للهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَـيَانَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بُعِثَ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَفَوَاتِـحِهِ وَخَوَاتِـمِهِ إِلَى الْإِنْسِ وَالْـجَانِّ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الذِينَ فَاقُوا فِي الْفَصَاحَةِ قُسًّا وَسَحْبَانَ؛ أَمَّا بَعْـدُ: فهذه مَسَائِلُ بَلَاغِيَّـةٌ تَضَمَّنَهَا حَدِيثٌ عَظِيمٌ، يُسَمَّى: أُمَّ السُّنَّةِ( )، واشْتَهر بحديثِ جِبْرِيلَ عليهِ السَّلَامُ، لا يُتَفَطَّنُ لها عندَ أوَّل قراءةٍ للحديثِ، إلَّا بالتَّكرار والتَّأمُّلِ والتَّحليلِ، ومُطالعةِ الشُّرُوح... إقرأ المزيد

بِقَلَمِ: زَكَرِيَّاءَ تُونَانِي l مشاهدات :2333 l العقيدة

السحر .. خطره، وأسبابه، وكيفية مكافحته

السحر .. خطره، وأسبابه، وكيفية مكافحته

 الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد: فإن المظاهر السلبية والآفات الاجتماعية المنتشرة في العالم الإسلامي كثيرة ومتنوعة، بعضها أشر من بعض وأخطر، ومن أخطرها ما يعد من مظاهر الشرك بالله ومن عوامل تأخر الأمم وسقوط الحضارات وتدمير المجتمع من داخله، ومن علامات انحطاط الأخلاق وانحلال العقائد، ومن هذه الآفات الخطيرة آفة السحر التي هي موضوع هذه المقالة.  إن السحر آفة خطيرة وداء عضال،... إقرأ المزيد

محمد حاج عيسى الجزائري l مشاهدات :2202 l العقيدة

الكرامات وضوابطها عند أهل السنة

الكرامات وضوابطها عند أهل السنة

إن من أصول أهل السنة والجماعة الإيمان بكرامات الأولياء وإثباتَها والتصديقَ بها واعتقاد أنها حق، وذلك باتفاق أئمة أهلالإسلام والسنة والجماعة، وقد دل عليها القرآن في غير موضع، والأحاديث الصحيحة، والآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين وغيرهم. ولذا أودع أهل السنة والجماعة رحمهم الله هذا الأصل في كتب الاعتقاد، وأفردوها بالأبواب المستقلة،وبينوا بالأدلة الصحيحة ما يتعلق بأفراد هذه المسألة.  وقد انقسم... إقرأ المزيد

عبد البر يحي l مشاهدات :1186 l العقيدة

في ظلال اسم الله تعالى « الحفيظ »

في ظلال اسم الله تعالى « الحفيظ »

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين، والعاقبة للمتّقين، أمّا بعد:فإنّمن أسماء الله تعالى الحسنى الثّابتة في القرآن الكريم "الحفيظ"،يدلّ عليه قوله تعالى: (إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ )هود:٥٧:، وقوله سبحانه: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ )الشورى:٦.و من أسمائه تعالى أيضا "الحافظ"لقوله تعالى: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )يوسف:٦٤ :وقولهتعالى: (وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ )الأنبياء:٨٢،وقد أثبته غيرُ واحد من أهل العلم، كابن منده، والبيهقي، والقرطبي، وغيرهم، إلاّ أنّ الحفيظ أبلغُ... إقرأ المزيد

بقلم: محمّد حاج عيسى l مشاهدات :2569 l العقيدة

كلمة التوحيد طريق إلى توحيد الكلمة

كلمة التوحيد طريق إلى توحيد الكلمة

إنّ  توحيدَ اللهِ، وإفرادَه بالعبادة هو الذي من أجله خلق اللهُ الجِنَّ والإنسَ، كما قال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) الذاريات: ٥٦ - ٥٨، كما أن التوحيد هو المقْصَدُ الأسمى الذي من أجله بعث اللهُ جميع الأنبياء والمُرسلين من بَدْءِ الخليقة، إلى رسالة... إقرأ المزيد

أبي سعيد بلعيد الجزائري l مشاهدات :4030 l العقيدة

أثر الخلافات العقائدية على وحدة الأمة الإسلامية

أثر الخلافات العقائدية على وحدة الأمة الإسلامية

 لقد تزاحمت أدلة الكتاب والسنة وعضدها في ذلك فهم صالح سلف الأمة، حول قضية من أهم القضايا المقاصدية التي من أجلها خلق الله البشرية، واسما إياها بـ "لزوم الجماعة" أو "الوحدة" بمفهوم العصرنة والحداثة ، هذه القضية التي آزر الرب سبحانه وتعالى تحقيقها بخلق عباده على الفطر السوية، القاضية أن يعيشوا في مجتمع لا في عزلة وتشتت، وهو عين ما عبر عنه علماء الإجتماع بـ "الكائن... إقرأ المزيد

بقلم: ربيع ميسوم l مشاهدات :2080 l العقيدة

الفــــداء والكفّــــارة... في معتقد النصارى؟؟؟

الفــــداء والكفّــــارة... في معتقد النصارى؟؟؟

ترتبط عقيدة الكفارة بعقيدة الخطيئة ارتباط اليد بالمعصم، فالمقصود بالكفارة هو رفع الخطيئة الأصليّة وتكفيرها عن كاهل البشريّة لإنقاذها من الموت الأبديّ، الذي أصابها جرّاء أكل آدم من الشّجرة.. ويُعتبر علماء الأديان قاطبة أنّ الكفّارة أُسّ الدّين النّصرانيّ، ومركز الدّائرة ونقطة التقاء جميع العقائد النّصرانيّة الأخرى، فهي ذات علاقة بالخطيئة من حيث إنّ هذه الأخيرة سبب لها وذات علاقة بالتجسّد والصّلب والقيامة.. من حيث كون هذه... إقرأ المزيد

بقلم: يزيد حمزاوي l مشاهدات :3113 l العقيدة

الخطيئة الأصلية

الخطيئة الأصلية

يمكننا اعتبار مفهوم الخطيئة المفهوم الرّئيس والأساس في الإيمان النّصرانيّ كلّه، إذ إنّ هذا المفهوم يرتبط بجميع العقائد الأخرى: كالكفارة والصّلب والتّثليث والقيامة … وبدون الخطيئة لن يعود للنّصرانيّة مسوغ وجود أصلاً، ويُجمِع الباحثون الموضوعيّون قديمًا وحديثًا، النّصارى والمسلمون واللاّدينيّون، على أنّ مفهوم الخطيئة الأصليّة من الأمور التي لا يقبلها العقل، إقرأ المزيد

يزيد حمزاوي l مشاهدات :1912 l العقيدة