|
في دار
من دور المدينة،
جلس عمر رضي الله عنه إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: تمنوا؛ فقال أحدهم: أتمنى لو
أن هذه الدار مملوءةٌ ذهباً أنفقه في سبيل الله.. ثم قال آخر: أتمنى لو أنها
مملوءة لؤلؤاً وزبرجداً وجوهراً أنفقه في سبيل الله وأتصدق به.. فقال عمر: ولكني أتمنى رجالاً مثلَ أبي عبيدة بنِ الجراح، ومعاذِ بنِ
جبلٍ، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله.
رحم الله عمر الملهم، إنه
لم يتمن فضة ولا ذهباً، ولا لؤلؤاً ولا جوهراً، ولكنه تمنى رجالاً من الطراز
الممتاز، تفتح على أيديهم كنوز الأرض، وأبواب السماء.
لقد كان عمر خبيراً،
بأن الحضارات العظيمة، والرسالات الحقة، تحتاج إلى المعادن المذخورة، والثروات
المنشورة، ولكنها تحتاج قبل ذلك إلى الرؤوس المفكرة التي تستغلها، والقلوب الكبيرة
التي ترعاها، والعزائم القوية التي تنفذها، وباختصار: إنها تحتاج إلى رجال، وليس
أي رجال.
كم من رجلٍ أعزُ من المعدن
النفيس، وأغلى من الجوهر الثمين، حتى قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (إنما الناس كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة) رواه البخاري.
إنّ الرجل الواحد قد ينصر
الله به الدين، ويقلب به الموازين، وفي القرآن الكريم في قصة موسى حين قتل القبطي:(وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ
أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى ) القصص:
٢٠.. وفي سورة يس في قصة أصحاب القرية: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ
يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) يس:
٢٠.
فالرجل الأول أنقذ الله به وبرأيه نبيه وكليمه موسى، حينما أحاطه علماً بالمؤامرة
الدنيئة التي يحيكها القصر الفرعوني للقضاء عليه وعلى دعوته.. وأما الثاني، فرجل
مؤمن يعلن أمام الملأ نصرة المرسلين، ويدعو إلى إتباعهم، متحدياً رؤوس الضلالة،
صارخاً به في وجه الجماهير.
إن رجلاً واحداً قد
يساوي شعباً بأسره، وقد قيل: رجل ذو همة يحيي أمة.
يعد بألف من رجال زمانه لكنه في الألمعية واحد
ولما حاصر خالد بن
الوليد رضي الله عنه الحِيرة طلب من أبي بكر المدد، فما أمده إلا برجل واحد هو
القعقاع بن عمرو رضي الله عنه، وقال: "لا يهزم جيش فيه مثله"، وكان يقول:
"لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف مقاتل!"،ولما طلب عمرو بن العاص رضي الله عنه المدد من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي
الله عنه في فتح مصر كتب إليه: (أما بعد: فإني أمددتك
بأربعة آلاف رجل، على كل ألف: رجل منهم مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن
عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد).. فما أحوج الأمة اليوم إلى صناعة
الرجال...
أيها القرّاء الكرام...بدأت
بهذه الرحلة التاريخية مع رجال غيّروا مسار البشرية وعبّدوها لله ربّ العالمين مع
رجال تخرجوا من أعظم وأكبر مدرسة على وجه الأرض كان شعارها "لا إله إلاّ
الله" ومعلمها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم... والأمة تعيش على ذكرى
الخامسة والخمسين من جهاد نوفمبر المبارك الذي صنع وخرّج رجالا غيّروا مسار
التاريخ وأذاقوا فرنسا العذاب الأليم، صنع نوفمبر رجالا في المواقف والمبادئ
والتضحيات، صنع وخرّج أسودا من أمثال بن مهيدي وبوقرة والعقيدين سي الحواس وعميروش والعقيد لطفي والجيلالي بونعامة وزيغود
وبن بولعيد والقائمة للشهداء الرجال بالملايين... فما أحوج الجزائر اليوم لصناعة
الرجال من طينة هؤلاء الأسلاف... إنّ أشباه الرجال والذكور كثيرون ولكن من يغيروا
مسار التاريخ وينهضوا بالأمة والبلاد إلى بر الأمان قليلون جدا، فوأسفاه....
إنّ أمل الشعب الجزائري
بعد الله تعالى، في أمثال هؤلاء الرجال من الناس، وليس في أشباههم.. إن دماء شهداء
نوفمبر، ودموع الأبرياء في محنة و مأساة الجزائر، لن تثمر بإذن الله إلا نفوسًا
أبية، لا ترضى في دينها الدنية.. وستسقط بإذن الله كل الدعاوى الهابطة، وحملات
الفئة الضالة المارقة من الدين وستنكسر كل الأقلام المسمومة الساقطة، التي تكيد
وتتآمر على الجزائر، وستظل وتبقى ثورة نوفمبر في قلوب البشرية، وفوق كل مصالح المزايدين
التغريبيين من أذناب الإستدمار الفرنسي الخبيث، (فَسَيُنْغِضُونَ
إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا)
الإسراء: ٥١ .
أحبتي القرّاء هو
العدد السادس عشر من مجلة إذاعة القرآن الكريم الدولية يخرج في أيام مباركة على
الجزائريين، في أشهر الحج المباركة وذكرى نوفمبر الخالدة فهنيئا لأمتنا وأدام الله
علينا النصر والعز والتمكين وختم الله بالصالحات الأعمال وحشرنا في زمرة النبيين
والصدّيقين والشهداء والصالحين والحمد لله رب العالمين.
 |