9:31 7:53 4:35 12:46 3:54
 
خطأ
  • XML Parsing Error at 1:337. Error 9: Invalid character

       TELEMSSAN
                              
رأت تلمسان قرى ومدنًا لا تساويها في القيمة العلمية والجلالة التاريخية تهتم وتفتخر برجال من أبنائها لا يساوون في النبوغ والعظمة ذلك الرجل الذي قلّب وجه التاريخ، بما وضع له من قواعد، وشرع له من سنن، وابتدع له من جديد، وحمى له من حمى، وهو أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون، وأرادت تلمسان اليوم –وهي المدينة الكريمة- أن تكرم هذا الرجل الذي أكرمها وكان أحد بناة مجدها، وأن تعرف له بعض حقه، وأن تحيي ذكره بإحياء ذكراه فأوحت إلى أحد أبناءها –كاتب هذه الأسطر- أن يقوم بهذا الواجب عنها في هذا اليوم الذي تتم به خمسة قرون وسبعون سنة على آخر وفادة وفدها هذا العبقري العظيم على هذه المدينة، تذكارا لصلته بها وصلتها به، ولما أبقاه لها في تاريخه من فخر خالد، وما أبقاه على ثراها من أخ برّ، هو أبو زكريا يحيي الذي زان سلطنة بني زيان وحفظ أمجادها في كتابه "بغية الرواد"، وعسى أن أقوم في هذه العجالة بما يقتضيه وحي هذه الأم من الوفاء لها ولابن خلدون، أبيّن سيرته وأحلّل حياته وأكشف عما بينه وبين تلمسان من وشائج القربى، وعما كان لها من تأثير في عقليته العظيمة ومداركه الواسعة بما لقنّه علماؤها من فنون وعلوم.
لم يكن ابن خلدون تلمسانيا بمعنى أنّه ولد فيها ونشأ بين ربوعها أو كان له سلف من أهلها، وإنّما هو حضرمي الجذم يتصل بأقيال (حضرموت) اتصالا يرجع إليه ما في الرجل من سمة الملك والتسامي  للملك، ثم يبتدئ في الإسلام بوائل ابن حجر الصحابي الجليل ابتداءً يرجع إليه ما في الرجل من ملكة عربية عريقة الأصل قوية الأسر ومن بيان قوي التأثير نافذ السحر، ثم تأتي الفتوحات الإسلامية فيُكتب لأحد أجداده الخروج من جزيرة العرب الأولى إلى جزيرتهم الثانية (الأندلس)، وإنّ لله فيمن ساقهم سائق الفتح من إحدى الجزيرتين إلى الأخرى لحكمة ظهرت آثارها فيما شيّد للغة العرب وآدابها من بنيان، وفيما تمكّن لهما من سلطان.
  ويكفينا ابن خلدون نفسه مؤونة البحث عن أجداده في الإسلام فيقول: "إنّ سلفه استوطنوا (إشبلية)، وكانت لهم بها نباهة وذكر وامتياز بالوظائف العالية، وكل ذلك مما مهّد لهذه النفس الكبيرة التبوُؤ في العالم الذي ظهرت فيه، ويبيّن أنّ أحد أجداده الأدنين انتقل من الأندلس إلى (بونة) ومنها إلى (تونس)، وما كاد يطوي التاريخ منهم اثنين حتى ظهر فيهم من طوى التاريخ في ملاءته وهو أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون، إذن فليس بين هذا العظيم وبين تلمسان شابكة إلا ما عسى أن يكون من اتصال في الروايات العلمية لأحد أجداده، والروايات العلمية هي الرابطة الكبرى في تلك العصور بين تلمسان والأندلس، فالرجل حضرمي أندلسي تونسي، ولكن قدّر له ولتلمسان أن يكون بينهما ما هو أقوى على الدهر من وشائج الأرحام، وهو ما لقّنه وهو بتونس من علماء تلمسان الذين كانوا في ركاب السلطان أبي الحسن المريني، فكأنّ تلمسان أرادت، إذْ لم يصلها العظيم، أن تصله، وإذ لم يكن من أبنائها أن تتبنّاه.
ومن هنا تبتدئ العلائق بين تلمسان وابن خلدون، وهي في أوّلها علمية وسنعرف ما آخرها، وكان ابن خلدون وهو أعلم الناس بقيمة تلمسان العلمية في عصره، كان يزمع الرحلة إليها لاستكمال معلوماته وإرواء نفسه الظمأى من مناهلها، فتعجلت تلمسان له ذلك بما أوفدت  مع السلطان أبي الحسن إلى تونس من علمائها وهم (علماء الدنيا).
يقصّ ابن خلدون في بيان رائع أثناء خاتمة تاريخه وفي معرض اكتساح السلطان أبي الحسن لافريقية  حكاية ملاقاته بهؤلاء الأعلام من علماء الأندلس وتلمسان، ويذكر ذلك البيان في نخوة كيف كان يتردد عليهم لتغذية نفسه، فيفهم القارئ المتنعّم أنّ اجتماعه بهم لم يكن عن دافع بسيط كما يندفع طالب العلم إلى الأخذ عمن هو أعلم منه، وأنّ هناك لطيفة روحانية جذبته إلى هؤلاء الأعلام ومؤثرا نفسيا وهو سمعة تلمسان في أذنه ومكانتها في قلبه وشهرتها العلمية في ذاكرته، وإنّنا نراه يذكر اسم الآبلي التلمساني في مقدمته مرارا في صورة استفتاء في دقائق اجتماعية فلسفية، فيصدر عن رأيه ويشهد له بالتمكن وقوة العارضة، فنفهم السرّ فيما كان متأثرا به من تلمسان وشهرتها الفنية في ذلك العصر، ثمّ قدّر الله أن ينغمس في السياسة وخدمة الدول، واستشرفت نفسه إلى تحقيق ما هي مستعدة له من ذلك، ولم يجد في الدولة الحفصية التي نشأ في ظلّها بتونس ما يشبع نهمته لأنّها فرع دولة هرمت وماتت، ففيها من آثار الهرم والموت ما سيلحقها بأمّها.
وكانت الدولة المرينية التي قامت على أنقاض الدولة الموحدية بالمغرب متوثبة إلى الفتح، مندفعة إلى القوة بالقوة، جاذبة إليها عظماء الرجال وأساطين الفكر، فتوسّم ابن خلدون أنّ بضائعه النادرة الغالية لا تنفق إلا في سوقها، فاتصل بها واتصلت به، وكان طبيعيا أنّ تلمسان هي جسر مرورها إليها، فدخلها في طريقه إلى حاضرة بني مرين وتلاقي الحبيبان بعد طول الفراق وإلحاح الأشواق، وانتهت تلك الإرهاصات بالمعجزة....
ثمّ كانت الأحداث في الدولة المرينية المتقلبة تدفع هذا الرجل الفذّ تارة إلى الصدر وتدفعه تارة عن الصدر، وكان النزاع محتدا بين بني مرين وبني زيان على تلمسان، كل يريد أن تكون درّة في تاجه، فكانت تلك الأحداث وذلك النزاع مما يثمر اتصال الحبيبين "تلمسان وابن خلدون"، فدخلها مرارا وأحلته المكان الرحب بين صدورها وأمرائها وعلمائها حتى خطبته لأن يكون مدبّر دولتها والمصرّف للأمر والنهي فيها واللسان الناطق عن ملوكها، فأبى لا استقلالا لقيمتها في نفسه ولكن رأى بنظره الثاقب أنّه لا يستقرّ فيها له قرار، وبين بني مرين وبني زيان ما بينهم من مصاولة عليها ومنازعات فيها، فتخلّص بحيلة إن لم تبلغ منه تلمسان ومن علومه وأرائه كل مناها فقد أبلغتها بعضا، وهو إبقاء أخيه الكاتب المؤرخ أبي زكريا يحيى ابن خلدون كاتبا بالأعتاب الزيانية، ثمّ تقلبت به صروف الدهر، فأقام سنوات بمدينة بسكرة واغتبط بها وأفاء عليه أمراؤها الأكارم بنو مزني من نعمهم وإكرامهم ما أنساه حواضر الملك العظيمة وعطايا الملوك الجسيمة، وكانت تربطه صلة الصهر بمدينة قسنطينة، فلا شك بأنّه كان ينتابها في بعض الأحايين لتلك العلاقة،  ينفّس فيها بعض هموم نفسه  الكبيرة، ولا بأس بوزارة حينًا ببجاية وهي مدينة العلم إذّاك وبها من فرسان المعقول والمنقول العدد الوفير، وكثير منهم يتصل بمؤرخنا بلحمة الأساتذة والمشائخ، ورحِم العلم موصولة بين بجاية والأندلس وتلمسان وقسنطينة، وكانت بجاية إذّاك تمتّ لكل مدينة من هذه المدن بالصلة الوثيقة، فمؤرخنا قد كان يتقلّب من مراكش إلى تونس بين عواصم علمية متشابهة الأعلام، متشابكة الأرحام، وإن فرقت فيها بواعث السياسة والتنافس في الملك، ونشهد في تضاعيف كلامه وكلام من أرّخ له من معاصريه فمن بعدهم حنينا من المؤرّخ العظيم إلى تلمسان وأعلامها الذين هم مشائخه وأقرانه، وإلى معالمها التي هي مرابعه وأوطانه، ورسائل ترد عليه من أخيه ومن ملوك تلمسان بواسطته، فلم تنقطع صلته بتلمسان يوما، ولو ساعده الدهر فيما نرى لسقط به هواه على هذه المدينة المحبوبة سقوط الحائم على الماء، وفي اختياره لقلعة بني سلامة وانقطاعه بها تلك السنوات التي كتب فيها مقدمة التاريخ البديعة دليل على هذا الميل، لأن تلمسان أقرب مدن إفريقيا إلى قلعة بني سلامة.
هذه الجمل موجزة لبيان صلة خاصة من صلات المؤرّخ العظيم بمدينة من مدن قطره يغفلها من كتب عنه من كتّاب الشرق، وعسى أن ترشح القريحة ببعض أسباب هذه العظمة على صفحات "الشهاب" الأغرّ.
آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي  ج1 ص 370_372

المشاهدات: 1255
التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy

الدولة الزيانية بتلمسان''1

الدولة الزيانية بتلمسان''1

                                                                                               الجزائر _أيّها الشباب_ قطعة ثمينة من وطنكم العربي الأكبر وجزء قيّم من تلك المملكة العزيزة التي شادها أسلافكم على الإيمان، وساسوها بالإنصاف، وحاطوها بالعدل، وعمروها بالعلم والخلق، ولم يكن فتحهم لها فتحا مما يعرفه العسكريون في جميع الأزمنة ولا استعمارا يسود فريق على فريق، ويذّل فيه صاحب الدار لعزة الفاتح، وإنما كان فتحا للأذهان، وغرسا للدين والإيمان، ونشرا للعدل... إقرأ المزيد

الإمام العلامة: محمد البشير الإبراهيمي l مشاهدات :1770 l أعلام الجزائر

الونشريسي العالم الهمام والفقيه الإمام

الونشريسي العالم الهمام والفقيه الإمام

هو الإمام حافظ المذهب المالكي، حبر تلمسان، حجة المغاربة على الأقاليم أبو العباس أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الواحد بن علي الونشريسي التلمساني الأصل والمنشأ، الفاسي  الدار والمدفن، ولد حوالي سنة 834 هـ بقرية من قرى ونشريس بناحية من نواحي تسمسيلت اليوم ويعرفها بعض المؤلفين أنها من ناحية بجاية وما حملهم إلى هذا التعريف إلا ما قد أشرنا... إقرأ المزيد

نبيل عصماني l مشاهدات :1740 l أعلام الجزائر

دور ملوك بني زيان في خدمة العلم في تلمسان

دور ملوك بني زيان في خدمة العلم في تلمسان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ أما بعد فإنّ مما لا ينبغي أن ينكر في تاريخ الإسلام أن للحكام دورا كبيرا في خدمة العلوم الشرعية، وغيرها من العلوم التي قامت عليها الحضارة الإسلامية، ولا شك أنّ قيام دولة إسلامية قوية يجد فيها الناس الأمن والاستقرار مما يساعد على نمو العلوم وازدهارها، وأن ضعف الدولة أو انهيارها يؤثر سلبا في... إقرأ المزيد

الدكتور : محمد حاج غيسى l مشاهدات :1345 l أعلام الجزائر

تلمسان وابن خلدون

 تلمسان وابن خلدون

                                       رأت تلمسان قرى ومدنًا لا تساويها في القيمة العلمية والجلالة التاريخية تهتم وتفتخر برجال من أبنائها لا يساوون في النبوغ والعظمة ذلك الرجل الذي قلّب وجه التاريخ، بما وضع له من قواعد، وشرع له من سنن، وابتدع له من جديد، وحمى له من حمى، وهو أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون، وأرادت تلمسان اليوم –وهي المدينة الكريمة- أن تكرم... إقرأ المزيد

الإمام العلامة: محمد البشير الإبراهيمي -رحمه الله- l مشاهدات :1255 l أعلام الجزائر

مرمس في دار الحديث

مرمس في دار الحديث

تلمسان... عرفت اسمها وأنا صغير، وتجولت بين أرجائها وأحيائها وأزقتها وأنا كبير، وقرأت عنها في الكتب الشيء الكثير وكان أهم ما استوقفني في تلك الرحلات كلها، معلم علمي شامخ لا يزال إلى يوم الناس هذا يقبع بين جنبات المدينة، ويتربع ساحة أحضانها، الواقف أمامه والناظر للافتته يرن الجرس في ذهنه لا شعوريا، وهو يتذكر - إن كان من العارفين -معلم الأزهر الشريف- أرجعه... إقرأ المزيد

ربيع ميسوم l مشاهدات :3295 l أعلام الجزائر

الشريف التلمساني المجتهد ومجدد الأصول في القرن الث

الشريف التلمساني المجتهد ومجدد الأصول في القرن الثامن الهجري

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد: فإن علم أصول الفقه من أعظم العلوم التي تميزت بها الأمة الإسلامية، وهو علم عظيم النفع، جليل القدر، عالي الشرف، إذ هو مثار الأحكام الشرعية ومنار الفتاوى الفرعية، ووسيلة فهم النصوص الشرعية، وهو العمدة في الاجتهاد، وبه يتكون العلماء، ولتعلقه بالكتاب والسنة عُدَّ من أشرف العلوم منزلة، وربما قيل إنه أعظم العلوم نفعا،... إقرأ المزيد

محمد الحاج عيسى l مشاهدات :3143 l أعلام الجزائر

تيبازة ومدنها العريقة

تيبازة  ومدنها العريقة

   قد يستغرب بعضكم كيف لمدن تيبازة علماء ومشايخ اشتهروا في زمانهم ومع ذلك لا ذكر لهم في زماننا، لذا جمعت ترجمة لبعض مدن تيبازة العريقة أذكر فيها أهم علمائها في القرون السالفة الغابرة ممن كان لهم الأثر الحميد والذكر الحسن في عهدهم وزمانهم. شرشال مدينة بالمغرب من أعمال بجاية على ساحل البحر، قال الفقيه أبو الربيع سليمان الملتاني أنه رأى بها أربع أسطوانات مفرطة الطول: ثلاث منها قوائم، والرابعة ساقطة، طول كل واحدة نحو خمسين... إقرأ المزيد

نبيل عصماني l مشاهدات :2556 l أعلام الجزائر

بونه .... عنابة حديثا

بونه .... عنابة حديثا

   من بلاد إفريقية قريبة من فحص قل وهي مدينة قديمة من بناء الأول وبها آثار كثيرة، وهي على ساحل البحر في نشز من الأرض مشرف على البحر وعلى فحوصها وقراها، وهي من أنزه البلاد وأكثرها لبناً ولحماً وعسلاً وحوتاً، والبحر يضرب في سورها وفيها بئر على ضفة البحر منقورة في حجر صلد وماؤها أعذب ماء وأنقعه منها يشرب أكثر أهلها لعذوبته، وبغربي هذه المدينة... إقرأ المزيد

نبيل عصماني l مشاهدات :2619 l أعلام الجزائر

آثار قلعة بني حماد شاهد على روعة المعمار الإسلامي

آثار قلعة بني حماد شاهد على روعة المعمار الإسلامي في الجزائر

تنوعت مجالات الإبداع الحضاري عند المسلمين حتى استوعبت مختلف مناحي الحياة، منها المجال العمراني الذي لا تزال منجزاته تشهد على تفوق المسلمين فيه مثل قصر الحمراء في الأندلس، ومثل مساجد مصر والشام واسطنبول وغيرها، وغير هذه المباني الجزئية (=القصور والمساجد)، هناك مدن بأكملها بعضها لا يزال قائما وبعضها الآخر صار أطلالا، ولكنه يشهد على سبق المسلمين في مجال المعمار، ويبرز ذوقهم فيه، ومن هذه المدن قلعة بني حماد في الجزائر. إقرأ المزيد

الدكتور مرزوق العمري جامعة باتنة l مشاهدات :3677 l أعلام الجزائر

تبسة

تبسة

تبسة بالفتح ثم الكسر وتشديد السين المهملة بلد مشهور من أرض إفريقية بينه وبين قفصة ست مراحل في قفر سبيبة وهو بلد قديم به آثار الملوك وقد خرب الآن أكثرها ولم يبق بها إلا مواضع يسكنها الصعاليك لحب الوطن لأن خيرها قليل وبينها و بين سطيف ست مراحل في بادية تسكنها العرب يعمل بها بسط جليلة محكمة النسج يقيم البساط منها مدة طويلة ، ثم عمرت في عصرنا هذا... إقرأ المزيد

بقلم : نبيل العصمان l مشاهدات :2071 l أعلام الجزائر