إنّ من أكبر الطامات ومن أشنع المهلكات، التي إذا حلت في
مجتمع أمة من الأمم ولاسيما الإسلامية منها، أتت على أخضره ويابسه، غضه وطريه، هو
أن يتصدر من ليس بكفء لعلم من العلوم فيدعي فيه المعرفة ويزعم الإفادة، وذلك بالنظر
إلى مآل الأمر ونهايته، والذي نلخصه في قول عالم من علمائنا: "إذا خاض المرء في غير فنّه أتى بالعجائب".
ولما كانت العجائب التي يحدثها هذا الدخيل على العلم
الشرعي علما وعلماء، ليست بالأمر الهين الذي يسكت عنه في شتى مناحي الحياة
الشرعية، وكلياتها الخمس المرعية، بداية من تخريب أحكام ديننا السمح تحليلا للحرام
أو تحريما للحلال، وتحطيم للعقل مربط الفرس وكنه التكليف، والإضرار بالنفس قتلا وتجريحا،
وتدنيسا للعرض والنسل هتكا واستحلالا، ونهبا للمال إسرافا وتبذيرا، كان الواجب
علينا تطعيم هذا المكلف المسكين بـ "مضاد" يشخص له ماهية هذا
"الفيروس" المتطفل، حتى يكشف عنه إما للقضاء عليه أو لعزله في زاوية
ليعرف فيحذره الغير، وبذلك نكون قد وقيناه أو عالجناه وفي كل خير.
وبلغة البساطة إنهم "المتجرءون على الفتوى" أو
الخائضون في المسائل الشرعية من دون منحة علم أو سبق روية، هذا الصنف من الناس
الذي جلب الشر والفساد للبلاد، وألحق العار والشنار بالعباد في حقبة زمنية مضت،
كنا نسميها بالأمس القريب "العشرية السوداء"، أيام ما كانت الرقاب تنحر والأموال
تهدر بجرة قلم توقع على فتوى قد حبك فتيلها بين أظهرنا ونحن نائمون في بلهلية أو
تأتينا من وراء البحار، مستصغرين الأمر وغير مبالين بما كان وسيكون، إلى أن جسّد
هذا التحذير على أرض الواقع فسالت الدماء أنهارا في الشوارع وهتكت الأعراض جهارا
نهارا بلا حام ولا رادع، وحينها فقط عرفنا الداء لنصف الدواء وإن كان الوقت لم
يتداركنا بعد وما ذلك إلا لأنه - ومع
الأسف الشديد - صرنا نتعامل مع تطبيق الأحكام الشرعية بالنظر إلى مآلاتها ونتائجها مع صرفه أخرى عن
نصوصها وما حملت من دلالات النهي والتحريم.
وأنا إذ أقول ما تقرؤون أريد أن أسجل وقفتين قبل الولوج
إلى صلب الموضوع وهما:
1/ إننا لا نلوم دائما هذا
أو ذاك الدخيل على خط الفتوى، لأن طلب
الشهرة مع ما يكتنفها من حب الظهور القاسم للظهور شيء فطري في بني البشر، بقدر ما
نلوم السائل والمستفتي الذي راح يخبط خبط عشواء، فما وجد إلا أن يسأل المنخنقة والمتردية
وما أكل الضبع ممن لا يعرف من العلم الشرعي إلا الاسم ومن أحكام الدين إلا الرسم، وصدق
المثل السائر "تمخض الجبل فولد فأرا" ولئن كان للفأر فوائد في ظل دورة
الحياة الطبيعية فإننا نقول "لم يلد شيئا".
فلماذا - أيها
الأحبة - إذا مرضنا تجدنا نهب ونبحث عن أمهر الأطباء في مصرنا ولجلنا طبيب خاص به
في حياته المرضية وعلى نفس المنحى لما يعيش بيننا حتى من البهائم والدواب؟ ولماذا
إذا وقعنا في المشاكل والقلاقل نفتش عن أمهر المحامين للدفاع عنا ومنا من له محامي
خاص به حتى وإن كان من الظالمين؟ ثم لماذا إذا أعطبت سياراتنا نكد ونجتهد ونسأل
يمينا ويسارا عن أمهر ميكانيكي في البلد وقد نقف على عمله وكأننا غير واثقين في
قدراته؟ ولكن لما تعترضنا مسألة من المسائل الشرعية وقد تكون مصيرية في موضوعها
كالفاصلة بين الجنة والنار من مثل مسائل الكفر والإيمان أو بين الحياة والموت
كالأنفس والدماء لا نبالي بمن نسأل ولا ممن نأخذ الجواب الشافي أو الرد الوافي وقد
نكتفي في كثير من الأحيان بأقلهم بضاعة مزجاة في العلم أو أشباه العلماء، حتى وإن
كان ما نسأل عنه هو من النوازل التي لو جمعنا لها الأئمة الأربعة رضي الله عنهم ما
خرجوا منها بإجماع أو لو وضعت على مكاتب هيئات الفتوى ومجامع الفقه ما أجمعوا على
قرار متحد معلنين بذلك المخالفة الصريحة لأوامر المولى جل وعلا بدلالة المنطوق
الصريح في قوله (فَاسْأَلُوا أَهْلَ
الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) النحل: ٤٣. يقول العلامة
الشنقيطي رحمه الله:"ويفهم من قوله - الآية - أن
من جهل الحكم يجب عليه سؤال العلماء والعمل بما أفتوه به" الأضواء 3/274
و يقول العلامة السعدي رحمه الله: "فإن الله أمر من
لا يعلم بالرجوع إليهم في جميع الحوادث" تيسير 394.
فأنت تلحظ معي - أيها الحبيب - أن دلالة لفظ الأمر التي
تفيد وجوب سؤال العلماء ظاهرة للعيان مع التأكيد كرارا ومرارا على أن يكونوا من العلماء
الربانيين وهذا يختلف على حسب حال الطلب من ناقل أو مجتهد في مسائل محسومة أو
نوازل مدلهمة وبدلالة مفهوم المخالفة نستخلص من الآية أن سؤال من ليس أهلا للفتوى
محرم وإثمه عظيم حتى وإن كان في مسائل العبادات التي لا يتعدى ضررها إذاية النفس
فما بالك بمسائل التكفير والإيمان وكذا الأنفس والأعراض والأموال التي تتخطى
الحدود الفردية إلى حرمات الآخرين نسأل الله العصمة في الأيام الباقيات.
2/ أما التي أثني بها وهي
لماذا أصبح الكلام في المسائل الشرعية العويصة تحليلا وتحريما متسيبا إلى درجة أن
أصبح الكل يدلوا بدلوه بداية من البواب ومرورا بالجزار والبناء ونهاية عند الطبيب والصيدلي
وخريج التخصصات التكنولوجية والأدبية الذي يصلح لكل شيء إلا بأن يصدر الأحكام والفتاوى
للناس ولا أخالكم تنسون من كان يقبل على هذا الصنيع الشنيع في حقبة "سنين
الجمر" وفيهم الحلاق والبناء وبائع الغنم في الأسواق وأما عن محدودي المستوى
التعليمي فحدث ولا حرج! وصدق الشاعر إذ يقول:
دع عنك الكتابة فلست منها ***
وإن سودت وجهك بالمداد
لماذا لم تصن بيضة هذا الدين وانقلبت هكذا الموازين فلو أن
عالما في الشريعة تكلم في علم من العلوم الدنيوية وخالف فيها ما يدعيه أصحابه
لقامت الدنيا ولم تقعد وأول ما يوجه له من الانتقاد هو: ما دخلك فإنه ليس بتخصصك؟
بينما لو عكسنا الصورة بحيث يخوض عالم العلوم الكونية في مسألة من القضايا الشرعية
فإن لا أحد يحرك ساكنا ولا تثار ملفات التخصصات على الرغم من أن الزلة في الفتاوى
الشرعية لا تقاس مع الخطأ في غيرها من العلوم الأخرى لأنه قياس مع الفارق وقد
ينتفي هنا القياس من أصله.
إن ثغر الفتاوى الشرعية المطروح على الساحة الدعوية
اليوم وبالنظر إلى ما أصاب هذه الأمة ولا زال يلاحقها من عجر وبجر أورداها الضعف والهوان
إلى أن صار يضرب بها المثل في الهمجية العمياء بعد أن كانت محط ضرب الأمثال في
الخيرية والصلاح بشريعتها الغراء ونظامها المحكم من لدن حكيم خبير، كل ذلك
يستوقفنا أكثر من أي وقت مضى لبذل المزيد من الجهد والعطاء لرسكلة وصقل مواهب قوات
خاصة من "الكمندوس" حراسة للحدود ووقفا لزحف هؤلاء الدخلاء العملاء
ليبقى حصن الإسلام منيعا ورايته الزهراء مرفرفة في الأفق ناصعة بيضاء محاولين رد
المياه لمجاري فواسلها عسى أن تعطينا النتاج الزكي أو نظفر بالثمار الوفيرة ولعل
ما أقدمه في هذه البوتقة الميمونة ما هو إلا طفرة جالت في خاطري من شدة ما رأيت في
الماضي وما أعيش في حاضري مفتشا لا مقمشا بين جنبات كتاب ربي وعلى ضفاف سنة نبيي
على فهم من لا أنسى فضلهم علي أعني صالح سلفي فأقول وبالله أستعين:
أ/من آيات القرآن الكريم:
لقد تضافرت أدلة الفرقان العظيم فيما بينها ناسجة حبكة
من الأحكام ترهيبا وترغيبا وداعية إلى التملص مع الحذر من هذه المهمة المشرفة
والمكلفة في آن واحد، الملقاة على كاهل المفتي ممن توفرت فيهم شروط ومواصفات ذلك
مع تحمل كامل الأعباء والأتعاب التي تتبعه في حال ما لم يكن أهل لها وأبى إلا
الإدعاء تلك الحبكة التي جاء فيها:
1/كبيرة
من الكبائر: قال عز من قائل: (وَلَا تَقْفُ
مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ
أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ) الإسراء: ٣٦، يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: "قال قتادة: " لا تقل رأيت ولم تر وسمعت ولم تسمع وعلمت ولم
تعلم فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله" ومضمون ما ذكروه أن الله تعالى نهى عن
القول بلا علم بل بالظن الذي هو التوهم والخيال" ج3/57، قلت: هذا في الفتوى
الصادرة عن شك وريب فما بالك بالتقول مع الجهل والجزم في قرارة النفس بعدم العلم
نسأل الله العافية. ويشد في نفس المضمار أزر الحافظ
الإمام الشوكاني فيقول: "أي لا تتبع ما لا تعلم من قولك وقفوت فلانا:
إذا اتبعت أثره - إلى قوله - ومعنى الآية: النهي عن أن يقول الإنسان ما لا يعلم أو
يعمل بما لا علم له به" فتح القدير1/1066. ويزيد العلامة
السعدي توضيحا لذلك في تحريره التالي "فحقيق بالعبد الذي يعرف أنه
مسؤول عما قاله وفعله وعما استعمل به جوارحه التي خلقها الله لعبادته أن يعد
للسؤال جوابا وذلك لا يكون إلا باستعمالها بعبودية الله وإخلاص الدين له وكفها عما
يكرهه الله تعالى" تيسير 409. فلا ضير بعد ذلك إن قررنا بأن من أشد المكروهات
عنده تعالى هو القول عليه من دون علم فماذا أعددت لربك جوابا يا عبد الله يوم أن
ينطق ثغرك بما قال وبنانك بما سطر ويصطف من حولك العباد يطلبون من عزته وجلاله
القصاص منك لأنك أوردتهم المهالك وأرديتهم المحالك بخطك وأقوالك فمن مطالب بدمه
المهدور وهذا بعرضه المهتوك وآخر بماله المنهوب إلى أن تصير إلى الإفلاس وتسحب إلى
جهنم عافاني الله وإياكم.
2/ من سبل االشيطان:
إذ جعل المولى عز وجل التقول عليه مقرونا مع الجهل سبيلا من سبل الشيطان وإتباع
لخطواته نحو القذة بالقذة فقال: (وَلَا تَتَّبِعُوا
خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا
يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا
تَعْلَمُونَ ) البقرة:
١٦٨ - ١٦٩. قال الحافظ ابن كثير: "أي إنما يأمركم عدوكم
الشيطان بالأفعال السيئة وأغلظ منها الفاحشة كالزنا ونحوه وأغلظ من ذلك و هو القول
على الله بلا علم" ج1/ 278. فاستقر الأمر واستتب-أيها المحب- على أن
الخوض في المسائل الشرعية من دون روية إثمه أعظم من فعل السيئات وجرمه أكبر من
إتيان الفاحشات فإلى متى الغفلة يا عباد الله. يقول
العلامة السعدي بعد أن أتى على أمثلة حية في هذا الباب تنحصر تحت تأويل
الآية وعلى مستوى مختلف فنون وتقاسيم العلم الشرعي: "فالقول على الله بلا علم
من أكبر المحرمات وأشملها وأكبر طرق الشيطان التي يدعو إليها هو وجنوده ويبذلون
مكرهم وخداعهم على إغواء الخلق بما يقدرون عليه" تيسير 63. فاحذر- أيها المبارك
- أن تكون من جند الشيطان واضرب لك في جند
الرحمان سهما وفي مغنهم نصيبا تكن من الفائزين ولقد انبرى لهذا المعنى نص آية أخرى
قد انطوى في قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) الحج: ٣
3/ مسؤولية جسيمة: قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ
إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق: ١٨. قال الإمام الشوكاني: "أي
ما يتكلم من كلام فيلفظه ويرميه من فيه إلا لديه أي لدى ذلك اللافظ رقيب أي ملك
يرقب قوله ويكتبه والرقيب: الحافظ المتتبع لأمور الإنسان الذي يكتب ما يقوله من خير
وشر....... والعتيد: الحاضر المهيأ" فتح القدير 2/1832.
4/ مفتري وكذاب على ربه: وفي ذلك يقول رب العزة: (قُلْ
أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ
حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) يونس: ٥٩ .
قال الحافظ ابن كثير:"وقد أنكر الله تعالى على من حرم ما أحل الله وأحل ما حرم بمجرد الآراء والأهواء
التي لا مستند لها ولا دليل عليها ثم توعدهم على ذلك يوم القيامة فقال (وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ
الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) يونس: ٦٠. أي ما ظنهم أن يصنع بهم يوم
مرجعهم إلينا يوم القيامة" 2/554. قلت: وكم في هذا الزمان الخوان من
مفتي هو مفتري في حقيقة الأمر لا يفصله عن الوصفين سوى حرف الراء! قد باع دينه
بدنياه وهو من الخاسرين مصداقا لقوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا
تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا
عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا
يُفْلِحُونَ)
النحل: ١١٦، كما عد القرآن الدخيل
والمتطفل في هذا الفن "كذابا" وعلى من؟ على ربه جل وعلا القائل في كتابه العزيز (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ
تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي
جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ) الزمر: ٦٠.يقول العلامة السعدي: "يخبر تعالى عن خزي
الذين كذبوا عليه وأن وجوههم تكون يوم القيامة مسودة كأنها الليل البهيم يعرفهم
بذلك أهل الموقف فالحق أبلج واضح كأنه الصبح فكما سودوا وجه الحق بالكذب سود الله
وجوههم جزاء من جنس عملهم فلهم سواد الوجوه ولهم العذاب الشديد في جهنم - إلى أن
قال رحمه الله مبينا ماهية الكذب المقصود في الآية - والكذب على الله يشمل الكذب
عليه باتخاذه الشريك والولد والصاحبة والإخبار عنه بما لا يليق بجلاله أو ادعاء
النبوة أو القول في شرعه بما لم يقله والإخبار بأنه قاله وشرعه" تيسير
674.
ب/من صحيح السنة النبوية:
أما نصوص صحيح
السنة النبوية المطهرة فإنها لم تتوان قيد أنملة عن الصب في نفس المورد المعين والسنن
المبين متظاهرة - بالتأكيد تارة وبالشرح تارة أخرى - مع الأدلة الآنف ذكرها في
تحريم ما تعارف عليه أهل الأصول بتسميته "فوضى الفتاوى الشرعية" وهاك
البعض من جل الوعيد النبوي في هذا الباب الخطير:
1/
توقد بهم النار: فعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يظهر الإسلام حتى
تختلف التجار في البحر وحتى تخوض الخيل في سبيل الله ثم يظهر قوم يقرؤون القرآن
يقولون: من أقرأ منا ؟ من أعلم منا ؟ من أفقه منا ؟ ثم قال لأصحابه: هل في أولئك
من خير ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: أولئك منكم من هذه الأمة وأولئك هم وقود
النار" صحيح الترغيب والترهيب.
2/ لهم عذاب شديد: وذلك في الحديث الطويل
الذي يرويه سمرة بن جندب رضي الله عنه وفيه أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: "إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما قالا لي: انطلق وإني
انطلقت معهما" - إلى أن قال - "فانطلقنا فأتينا على رجل متسلق لقفاه
وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه
ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل
بالجانب الأول فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان ثم يعود عليه
فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى قال: قلت: سبحان الله" - إلى قوله - "الذي
رأيته يشق شدقه فكذاب يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به ما رأيت
إلى يوم القيامة" رواه البخاري. وفي الحديث المتواتر قوله صلوات ربي وسلامه عليه: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ
مقعده من النار" متفق عليه. هذا وقد أسلفنا القول في الأسطر الخاليات
أن الإفتاء عن جهل هو كذب بل من أكبره وأعظمه بالنظر إلى من وعلى من يكذب ؟ فحنانيك
يا الله.
3/ من علامات الساعة:ولا غرابة ولا عجب أن ذكر الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه منذ ما يزيد عن
أربعة عشر قرنا ونيفا من الزمن بأنه سيأتي على يوم الناس هذا زمان يتكلم فيه الرجل
اللكع بن اللكع المفلس علما كالنقد المزور نقشا في مسائل عظام وقضايا جسام جفت
عندها أقلام علماء عقولهم كالبحر وأفئدتهم مثل الجبال الراسيات فعن أبي هريرة رضي
الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إنها ستأتي على الناس سنون خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن
فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق الرويبضة قيل: وما الرويبضة قال: السفيه
يتكلم في أمر العامة" رواه الإمام أحمد في المسند وهو صحيح. والرويبضة
كلمة تصغير للرابضة وهو السفيه أو العاجز عن طالب معالي الأمور وقيل التافه والخسيس
أو الحقير وكلها بمعنى واحد. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يقبض
هذا العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبقى
عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا"
متفق عليه. يقول الإمام النووي رحمه الله: "ومعناه
أن يموت حملته - أي العلم - ويتخذ الناس جهالا يحكمون بجهالاتهم فيضلون ويضلون"
شرح مسلم. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وفي
هذا الحديث الحث على حفظ العلم والتحذير من ترئيس الجهلة وفيه أن الفتوى هي
الرياسة الحقيقية وذم من يقدم عليها بغير علم" الفتح 1/195.
4/ قتل للأنفس: ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
لأصحابه رضي الله عنهم لما أفتوا صاحب الشجة بأن يغتسل إذ لا يجدون له في دين الله
رخصة فمات من يومه: "قتلوه قاتلهم الله ألا
سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال" صحيح ابن ماجه 1/93.
فلا تعجب أخي القارئ من فعل الصحابة رضي الله عنهم بقدر عجبك من دعاء الحبيب عليهم
بـ "قاتلهم الله" ومن هم؟ إنهم
صحابته الكرام خير الخلق من بعده منهم أئمة الهدى وفيهم مصابيح الدجى الذين قال
عنهم فداه أبي وأمي: "لا تسبوا أصحابي فو الذي
نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"
متفق عليه. فكيف سيكون دعائه وبأي صيغة لو رأى حبيب قلبي وسلوة فؤادي ما أحدثه
حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام في أيامنا هذه من تسطير لفتاوى وحق لها أن تسمى
"فجاوى" تحلل الحرام وتحرم الحلال بشبه أوهى من خيوط العنكبوت وإلى الله
المشتكى.
ج/من آثار صالح سلف الأمة:
جاء في الأثر عن أبي الحصين الأسدي رحمه الله قال: إن
أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل
بدر"، قلت: رحم الله أيام ابن الخطاب رضي الله عنه إذ لو كان حيا بين
أظهرنا لسجن وعزر وعاقب جم غفير من
المنتهكين لحرمات الله بالفتوى والتوقيع عنه جل وعلا عن جهل وقلة فهم وعلم وهو
الأمير المعهود عنه غضباته لله عز وجل إذا انتهكت محارمه وتخطيت حدوده فوا حسرتاه
على مفتين وفتاوى تنشر وتصدر لا ابن الخطاب لها!
وعن عبد الله ابن عمر رضي الله
عنهما أنه كان إذا سئل قال: اذهب إلى هذا الأمير الذي تولى أمر الناس فضعها
في عنقه وقال: يريدون أن يجعلونا جسرا يمرون عليه إلى جهنم". ويقول عبد الرحمان بن أبي ليلى: "أدركت عشرين ومائة
من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها
هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول"، وقال
عطاء رحمه الله: "أدركت أقواما إن أحدهم ليسأل عن الشيء فيتكلم وإنه
ليرعد"، وسئل الإمام الشعبي رحمه الله عن شيء
فقال: "لا أدري" فقيل له: ألا تستحي من قولك لا أدري وأنت فقيه أهل
العراق ؟ فقال: "لكن الملائكة لم تستحي حين قالت: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا
عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ )البقرة: ٣٢،قلت: راجع هذه الآثار وغيرها كثير مما تصطك له الأسنان وترتعد منه الفرائس
لمن كان له قلب حي أو ضمير بصير في كتاب "صفة الفتوى والمفتي والمستفتي"
للإمام العلم أحمد بن حمدان الحراني رحمه الله فقد أجاد فيه وأفاد.
ويقول العلامة ابن القيم:"وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره وهو
من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات ؟ فحقيق بمن
أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته وأن يتأهب له أهبته وأن يعلم قدر المقام الذي
أقيم فيه ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به فإن الله ناصره وهاديه كيف وهو
المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال تعالى : (وَيَسْتَفْتُونَكَ
فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي
الْكِتَابِ)
النساء: ١٢٧ وكفى بمن تولاه الله تعالى بنفسه شرفا وجلالة". إعلام
الموقعين1/10-11.
وعلى نفس النسق وبنفس الحدة والحمية يذود الإمام الشاطبي رحمه الله عن حمى ربه جل وعلا فيقول:
"وكذلك تقديم الجهال على العلماء وتولية المناصب الشريفة من لا يصلح بطريق
التوريث هو من قبيل ما تقدم فإن جعل الجاهل في موضع العالم حتى يصير مفتيا في
الدين ومعمولا بقوله في الأموال والدماء والأبضاع وغيرها محرم في الدين وكون ذلك
يتخذ ديدنا حتى يصير الابن مستحقا لرتبة الأب - وإن لم يبلغ في رتبة الأب في ذلك
المنصب - بطريق الوراثة أو غير ذلك بحيث يشيع هذا العمل ويطرد ويرده الناس كالشرع
الذي لا يخالف بدعة بلا إشكال زيادة إلى القول بالرأي غير الجاري على العلم وهو
بدعة أو سبب البدعة كما سيأتي تفسيره إن شاء الله وهو الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "حتى إذا لم يبق عالم
إتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" وإنما
ضلوا لأنهم أفتوا بالرأي إذ ليس عندهم علم" الإعتصام ج2/330.
وما أعذب وأرق توجيهات شيخ المجتهدين الإمام الشوكاني رحمه الله إذ يقول وفي نفس المضمار:
"إذا تقرر لك أن العامي يسأل العالم والمقصر يسأل الكامل فعليه أن يسأل أهل
العلم المعروفين بالدين وكمال الورع عن العالم بالكتاب والسنة العارف بما فيهما
المطلع على ما يحتاج إليه فهمهما من العلوم الآلية حتى يدلوه عليه ويرشدوه إليه
فيسأله عن حادثته طلبا منه أن يذكر له فيها ما في كتاب الله سبحانه أو ما في سنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم فحينئذ يأخذ الحق من معدنه ويستفيد الحكم من موضعه ويستريح
من الرأي الذي لا يأمن المتمسك به أن يقع في الخطأ المخالف للشرع المباين للحق ومن
سلك هذا المنهج ومشى في هذا الطريق لا يعدم مطلبه ولا يفقد من يرشده إلى الحق"
إرشاد الفحول ص 515.
وهذا الإمام الماوردي رحمه اللهيشد عضده بعضد إخوته فيقول: "وأما جلوس العلماء والفقهاء في الجوامع والمساجد
والتصدي للتدريس والفتيا فعلى كل واحد منهم زاجر من نفسه أن لا يتصدى لما ليس له
بأهل فيضل به المستهدي ويزل به المسترشد" الأحكام السلطانية 122.
ويقول فقيه الزمان العلامة ابن
عثيمين رحمه الله: "إنّ من أكبر الجنايات أن يقول الشخص عن شيء أنه
حلال وهو لا يدري ما حكم الله فيه أو يقول عن الشيء إنه حرام وهو لا يدري عن حكم
الله فيه أو يقول عن الشيء إنه واجب وهو لا يدري أن الله أوجبه ويقول عن الشيء إنه
غير واجب وهو لا يدري أن الله لم يوجبه إن هذه جناية وسوء أدب مع الله عز وجل"
كتاب العلم 67 – 68.
قلت: هذا الحق على طبق من ذهب بين يديك فانظر ما أنت
فاعل به وقديما قالوا "إذا عرفت فالزم". وفي آخر هذه الجولة والصولة
التي أسأله جل وعلا أن أكون قد وفقت في الإلمام بجوانبها ولو في البعض منها لا
يسعني أن أرفع أكف التضرع إليه عز وجل داعيا إياه بأن يصوب وجهة السائلين والمستفتين
إلى أهلها وأن يهدي من تلبس بجبتهم وعمائمهم زورا بهتانا كالمتشبع بما لم يعط وأن
يسدد ويقارب أحكام وفتاوى أصحاب هذا الشأن وما ذلك على الله ببعيد وكما ولجت هذا
الموضوع أخرج منه بقول أحد فطاحلة ذاك الزمان "إن هذا العلم دين فانظروا عن
من تأخذون دينكم". وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الحمد
لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي
بعده وبعد: فإن
الجهاد في الإسلام له منزلة عالية، ومقام
رفيع، وهو من أفضل الأعمال بعد الفرائض
إن لم يكن أفضلها، وقد دل على ذلك النصوص
الكثيرة من الكتاب والسنة وإجماع أهل
العلم، وفيما يلي نستعرض تلك المنزلة
للجهاد وبعض ما ي [ ... ]
الحمد
لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله،وعلى آله وصحبه ومن والاه،أمّابعد:فموضوعنا في هذا العدد – معاشر القرّاء الأعزّاء
– إنّما هو في نقطتين اثنتين:النّقطة
الأولى:تفاضل
الطّاعات.فإنّ
من حكمة الله تعالى أنّه قد جعل لكلّ شيء
قدرا، وأناط بكلّ عمل أو قول م [ ... ]
استهلال:الإصلاح خلق إنساني
واجتماعي سام ورفيع، دعت إليه كل الديانات السماوية ونادى به الأنبياء والرسل
وتحملوا في سبيله العنت الكبير وإذا كان الإنسان ميالا بطبعه وجبلته إلى الاجتماع
بغيره من بني جنسه والتعاون معهم والاستئناس بهم فإنّ نوازع ا [ ... ]
الحمد
لله الذي بعث في كل فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلّ إلى الهدى
ويبصرون بكتاب الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من ضال تائه قد
هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وما أسوأ أثر الناس عليهم، ينفون عن دين الله
تحريف الغالين وتأويل [ ... ]
مقدمة:الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا
عدوان إلا على الظالمين، ونشهد أنّ لا إله إلا الله ولي الصالحين، ونشهد أنّ محمدا
عبده ورسوله إمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه وتمسك
بسنته إلى يوم الدين، وبعد:فمن فضل الله علينا ومن [ ... ]
بسم الله الرحمن
الرحيممن عبد المحسن بن حمد العباد البدر
إلى الإخوة حاملي السلاح في جبال الجزائر أصلح الله حالهم ووفقهم لما فيه سعادة
الدنيا والآخرة.السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:وبعد، فهذه رسالة نصح من أخ يحب
الخير لكم ولبلادكم وللمسلمين في كل مكان، أسأل الله [ ... ]
إنّ من أكبر الطامات ومن أشنع المهلكات، التي إذا حلت في
مجتمع أمة من الأمم ولاسيما الإسلامية منها، أتت على أخضره ويابسه، غضه وطريه، هو
أن يتصدر من ليس بكفء لعلم من العلوم فيدعي فيه المعرفة ويزعم الإفادة، وذلك بالنظر
إلى مآل الأمر ونهايته، والذي نلخصه في قول عالم م [ ... ]
الحمد
لله رب العالمين وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن يتبعهم
بإحسان إلى يوم الدين... وبعد:فهذه
مجموعة من الأسئلة طرحت على سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز –
رحمه الله تعالى - س1: سماحة الشيخ هناك من يرى اقتراف بعض [ ... ]
إنّ من أخطر المظاهر ووعورة الظواهر ما درج عليه الكثير
من الناس في ثنايا هذا المجتمع المسلم من التلاعب والتعاطي لألفاظ التكفير بين
بعضهم البعض عن قصد أو استهزاء حتى صارت هذه العادة السيئة في جلساتهم وندواتهم وما
يكتبون كالملح للطعام إن وجد كان طعمه رائقا [ ... ]
فإنَّ للشيطان مدخلَين على المسلمين ينفذ
منهما إلى إغوائهم وإضلالهم، أحدهما: أنَّه إذا كان المسلمُ من أهل التفريط والمعاصي،
زيَّن له المعاصي والشهوات ليبقى بعيداً عن طاعة الله ورسوله ، وقد قال صلى الله
عليه وسلم : (( حُفَّت الجنَّة بالمكاره،
وحُفَّت النا [ ... ]
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأصلي
وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :فبعد مضي أكثر من سنة على نشر مقال في هذه المجلة المباركة حيث بينا فيه رأي
شيخ الإسلام ابن تيمية حقا في مسألة الخ [ ... ]
حيّاّ الله مستمعي إذاعة القرآن الكريم بالجزائر ونسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام ،أنتم معنا في هذه الحصة الخاصة على المباشر وعلى أمواج إذاعة القرآن الكريم نناقش ونحلل ظاهرة غريبة ودخيلة على المجتمع الجزائري ألا وهي ظاهرة التفجيرات الانتحارية التي شهدتها الج [ ... ]