كُتِب : فرِض وأثبِت وهي من
ألفاظ الوجوب كما في أصول الفقه.
الصيام : الكفُّ عما أمر الله بالكفِّ عنه ،ومنه قوله
تعالى (فَكُلِي وَاشْرَبِي
وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي
نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا )مريم:
٢٦..
أي صمتا ،لأنَّه إمساك عن الكلام ، وذمَّ أعرابيٌّ قومًا فقال : يصومون عن المعروف
ويقصون على الفواحش ،وأصله مأخوذ من صيام الخيل وهو إمساكها عن السير والعلف ، قال
النابغة الذبياني :
خيلٌ صيام وخيلٌ غير صائمة تحت
العجاجِ وأخرى تعلك اللُجَمَا
إلّا أنَّ الصوم في الشرع إنما هو إمساك
عن محظورات الصيام في زمانه(1) .
لعلّكم تتَّقون: لعلَّ للتعليل وتتقون من التقوى و هي أن تجعل بينك وبين الله وقاية تقيك
من عذابه وقيل هي فعل الأوامر واجتناب النواهي .
المعنى الإجمالي للآية :
بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم
إلى المدينة وأصبحت المدينة دارَ إسلامٍ أخذ التشريع ينزِل ويتوالى ،فأنزل الله
تعالى فرضَ الصيام في السنة الثانية للهجرة ،فناداهم الله عز وجل بنداء الإيمان
وأعلمَهم أنَّهُ كتََِب عليهم الصيام كما كتبه على الذين من قبلهم من الأمم
السابقة ،
وعلَّل ذلك بقوله: (لعلكم تتقون )أي ليعِدَّكم به للتقوى الّتي هي امتثال
الأوامر واجتناب النواهي لما في الصيام من مراقبة الله تعالى .
الفوائد والأحكام
المستنبطة من الآية(2) :
1 - بيانُ أهميَّة الصيام لأنَّ
الله صدَّره بالنِّداء وأنَّه من مقتضيات الإيمان لأنه وجَّه الخطاب للمؤمنين وأَنَّ
تركه مخِلٌ بالحياء.
2 - منها فرضية الصيام لقوله: ( كُتِب) وهي من ألفاظ الوجوب.
3 - فرضُ الصيام على من قبلَنا من
الأمم لقوله : ( كما كتب على الذين من قبلكم ) .
4 - منها تسلية الإنسان بماأُلزِم
به غيرُه ليهون عليه القيام به لقوله تعالى : (كما كتب
على الذين من قبلكم ).
5 - استكمال هذه الأمة لفضائل من
سبقَها حيث كتب الله عليها ما كتب على من قبلَها لتترقَّى إلى درجة الكمال كما
ترقَّى إليها من سبقَها.
6 - بيانُ الحكمة في إيجاب الصيام
وهي تقوى الله وذلك في قوله : ( لعلكم تتّقون).
7 - ومنها فضل التّقوى وأنَّه ينبغي
سلوكُ الأسباب الموصلة إليها لأنَّ الله أوجبَ الصيامَ لهذه الغاية إذًًا هذه
الغاية عظيمة ،ويدلُّ على أنَّها عظيمة كونها وصية الله للأولين والآخرين : (وَلِلَّهِ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا
فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ
غَنِيًّا حَمِيدًا) النساء:
١٣١ .
8 - ومن فوائد هذه الآية أيضًا حكمتُهُ
سبحانه بتنويع العبادات فمنها ما هو مالي محض ومنها ما هو بدني محض ومنها ما هو
مركَّب بدني ومالي
ومنها ما هو كفٌّ ليتِّم اختبارالمكلَّف،
والصيام هو الكفُّ عن المحبوب .
من فقه الآية :
لقد اشتملت الآية على عدَّة مسائلَ
نذكرُ منها :
المسألة الأولى : في فرض الصيام
لمَّا كان فطم النّفس عن مألوفاتها
وشهواتها من أشقِّ الأمور وأصعبها ،تأخَّر فرضُ الصيام إلى وسط الإسلام بعد الهجرة
، لمّا توطَّنت النفوسُ على التوحيد والصلاة ،وألِفت أوامرَ القرآن فنقلت إليه
بالتدريج ،فكان فرضه السنةَ الثانيةَ من الهجرة فتُوفي رسول الله صلَّى الله عليه
وسلّم وقد صام تسعةَ رمضانات .
وقد فُرِض أوَّلا على وجه التخيير ثمّ تحتَّم
صيامه لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعم
حُرِّم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة فنسخ ذلك بالمرحلة الثالثة وهي
التي استقر عليها الشرع إلى يوم القيامة وهذه هي رتب الصوم كما أفاده ابن القيم في
زاد المعاد .
المسألة الثانية:في قوله: (على الذين من قبلكم ) (3)
ذكرالعلماء فيها ثلاثة اقوال: أحدها أنهم أهل الكتاب رواه
عطاء الخراساني عن ابن عباس وهو قول مجاهد ،
والثاني :أنّهم النصارى قاله الشعبي
والربيع ،
والثالث:أنّهم جميع أهل الملل ،ذكره
أبو صالح عن ابن عباس .
المسألة الثالثة: في قوله : ( كما كتب )
ذكر أهل التفسير فيها قولان:
أحدهما :أن التشبيهَ في حكم الصوم وصفته لا في عدده ،
قال سعيد بن جبير : (كتب عليهم إذا نام أحدهم قبل
أن يطعم لم يحلَّ له أن يطعم إلى الليلة القابلة والنساء عليهم حرام ليلة الصيام )
، فعلى هذا تكون الآيةُ منسوخةً بقوله: ( أحِّل لكم ليلة
الصيام الرفث إلى نسائكم ) فإنّها فرَّقت بين صوم أهل الكتاب وبين صوم
المسلمين.
والقول الثاني: أنَّ التشبيه في عدد الصوم وفيه قولان:
أحدهما :أنَّ النَّصارى كان الله قد
فرض عليهم صيامَ ثلاثين يوما كما فُرض
علينا فكان ربَّما وقع في الحّر فجعلوه في
الفصل بين الشتاء و الصيف ثمّ كفّروه بصوم عشرين يوما زائدة ،ليكون تمحيصًا
لذنوبهم وتكفيرًا لتبديلهم ، وهذا قول الشعبي .
والثاني :أنهم اليهود كان عليهم
صيام عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر فكان على ذلك سبعة عشر شهرا إلى أن نسخ بصوم
رمضان .
قال ابن عباس رضي الله عنهما :كان أوَّلََ ما نسِخ
شأنُ القبلة والصيام الأول.
المسألة الرابعة : في قوله: ( لعلَّكم تتَّقون ) (4)
فيها قولان :
أحدهما : لعلَّكم تتقون ما حرِّم
عليكم في الصيام ،من أكل الطعام وشرب الشراب ووطء النِّساء ، وهو قول أبي جعفر
الطبري.
والثاني :معناه أنَّ الصوم سبب يؤول
بصاحبه إلى تقوى الله ،لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوة وإذهاب الأشر، وهو معنى
قول الزجَّاج .
الحكمة من
مشروعية الصيام (5):
الصيام من أكبرأسباب التقوى لأن فيه
امتثال الأوامر واجتناب النواهي ، فممَّا اشتمل عليه من التقوى أنَّ الصائم يترك
ما حرَّم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها ، التي تميل إليها نفسه ،
متقربا بذلك إلى الله راجيا بتركها ثوابَه ،فهذا من التقوى ،ومنها أنَّ الصائم يدرِّب
نفسَه على مراقبة الله تعالى ،فيترك ما تهوى نفسه مع قدرته عليه ،لعلمه باطِّلاع
الله عليه ، ومنها أنَّ الصيام يضيِّق مجاري الشيطان فإنَّه يجري من ابن آدم مجرى
الدَّم ،فبالصيام يضعفُ نفوذه وتقلُّ منه
المعاصي ،ومنها أنَّ الصائم في الغالب تكثر طاعته ،والطاعات من خصال التقوى ،
ومنها أنَّ الغنيّ إذا ذاق ألمَ الجوع أوجبَ له ذلك مواساةَ الفقراء والمساكين
وهذا من خصال التقوى .
أسألُ الله عز وجل أن ينفعنا بهذه المعاني العظيمة التي دلَّت عليها هذه
الآيةُ الكريمة ، وأن يجعلنا مفاتيح خير مغاليق شر على هذه الأمة ، وأن يجعل
القرآن العظيم ربيعَ قلوبنا وذهابَ همومنا وغمومنا ،وأن يجعل صيامنا رمضان صياما
مقبولا على الصفة الّتي أوجبها علينا ،والحمد لله رب العالمين ،وصلَّى الله وسلَّم
على نبيِّنا محمّد .
إن الدارس والمتفرس لحقائق القرآن الكريم بما
حوى من آيات وتفسيرات، وبخاصة ما تعلق منها بمنهجية تغيير حال الأمم والمجتمعات،
التي رست على شاطيء الكفر والجاهلية ردحا من الزمن، إلى أن جُرت بعبارة التوحيد
والإيمان إلى بر الأمن والآمان، يعلم يقينا أن هناك جهدا [ ... ]
1- تعريف
القرآن الكريم:هو
كلام الله المنزّل على سيدنا محمد صلى
الله عليه وسلم بلسان عربي
مبين، المعجِز بلفظه ومعناه، المتعبّد
بتلاوته، المنقول إلينا بالتواتر، المحفوظ
في الصدور، والمكتوب في المصاحف.2-منزلته:إن
الله أنزل هذا القرآن الكريم لهداية البشر
إلى الخير و [ ... ]
إقامةُ
الدليل على خطأ من يستدلبقوله
تعالى (أم
لهم شركاء ...) , على كُفْر المُشَرِّعين بلا تفصيلالحمد
لله العليّ القدير،والصلاة والسلام على
البشير النذير،والسراج المنير،وعلى من
تبعه،واهتدى بهديه،وسلم تسليماً كثيراً
إلى يوم الدين،وبعد:نواصل
ضمن هذه السلسلة،رد [ ... ]
إنَّها أعظمُ الآيات وأبهرُ
المعجزات ودليلٌ من دلائل نبوَّته عليه الصلاة والسلام، تلكم هي معجزة القرآن
الكريم، الآية العظمى والمعجزة الخالدة والمستمرَّة على تعاقب السنين. أنزله الله عز وجل على محمَّد خاتم
الأنبياء والمرسلين، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم [ ... ]
ما هي إلا أيام، ويطلّ علينا هلال رمضان معلنا بذلك قدوم
"شهر القرآن" الذي أنزل في طياته الفرقان، كما قال عزّ من قال( شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ
الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) البقرة: ١٨٥ حاملا بين ثناياه ل [ ... ]
وَلاَ
تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً... فإنّي أدعو قرّاءنا
الأعزّاء إلى أن يصحبوني إلى أرض من أراضي الجزيرة العربيّة.. أرضِ جهينة.. فنقف
على مشارفها لنشهد حدثا من أحداثها.. حدثٌ عظيم في طيّاته أصل من أصول الإسلام
عظيم، وإن استهان به [ ... ]
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله، أمّا بعد: فالمقصود
بالمفسّر الّذي يُطالَب بهذه الآداب والشّروط هو من يفسّر القرآن ابتداءً، أو
يرجّح قولا على قول من كلام المفسّرين، وثمرة معرفة هذه الشّروط والآداب أن يحسن
الطّالب للتّفسير اختيار الكتب في ذلك.
الحمدُ لله ربِّ
العزّة ربّ العالمين، وليِّ التّمكين للدّين، الملِكِ الحقِّ المُبين، خيرِ
النّاصرين، وأحكمِ الحاكمين، لا إله إلا هو يقصّ الحقَّ وهو خيرُ الفاصلين، مجّدَ
نفسَه في كتابه بامتلاكِه وحدَه لأسباب النّصر والتّمكين، فقال: (وَالَّذِينَ
تَدْعُو [ ... ]
إنّ إدراك الكلام البليغ لا يتأتّى إلا عن طريق
الدراسة و البحث و التأمل، و من أجل ذلك جاء علم البلاغة ليكشف للدارسين عن
العناصر البلاغية المميِّزة للكلام البليغ عن غيره، و ليس في الوجود كلام أبلغ من
كلام ربّ العالمين؛ إذ لا نظم يدانيه على الإطلاق.قال تع [ ... ]