ما هي إلا أيام، ويطلّ علينا هلال رمضان معلنا بذلك قدوم
"شهر القرآن" الذي أنزل في طياته الفرقان، كما قال عزّ من قال( شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ
الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) البقرة: ١٨٥ حاملا بين ثناياه ليلة هي خير من ثلاثين ألف ليلة مما نعد في هذا الزمان
فيها قال تعالى :(
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) القدر: ٣، إنّه حقيقة موسم التوبة
والغفران. ولمّا كان من أهم مقاصد نزول كلام رب العزة على نبيه المصطفى هو أن
يواسيه في دعوته التي لقي على طريقها المحفوف بكل أنواع المخاطر والويلات من أعتا
أساليب العذاب والكيد من المشركين، كما كان من أفرض فروضه التي حملها بين جنباته
هي تبيين وسائل الدعوة وطرق استقطاب الآخرين من غير المسلمين عامة أو من الملتزمين
بشرعة هذا الدين خاصة.
وقد وددت أن أسلط الأضواء الكاشفة من خلال هذه المداخلة
من على هذا المنبر الطيب الميمون، مصوّبا إياه إلى وجهة إيضاح مَلمح منهج القرآن
الكريم في كيفية وطرائق دعوة المخالفين، لعلها تستبين لجمهرة الداعين إلى هذا
الدين الرزين، وذلك لشدت ما رأيت من الحيدة عن صراط رب العالمين ومنهج رسوله خاتم
النبيين في دعوة المبدلين إلى السنن المبين والمورد المعين الكتاب والسنة على فهم
صالح سلف الأمة. فمن ناصبٍ نفسه قوّام على الناس بسلطة الحديد والنار، إرهابا
وعذابا، لا يعرف من رسم الدعوة إلا القتال ولا يفقه مما تركه السلف للخلف في مسيرة
دعوتهم إلا التفجير والاغتيال، فكان بذلك من الجانين على شريعة ربه لا ظهرا أبقى
ولا زرعا قلع ومن مشرذم وممزق لبيضة هذا
المجتمع المسلم إلى طوائف وجماعات تغمرها حسابات ضيقة وشعارات حازقة، يوالي من
أجلها المنخرط ويعادي بل ويبني من حولها صور الولاء والبراء، كل من دخل جبة زعيمه
كان من الراضين عنه وأما من أبى الولوج فهو من الناقمين عليه؛ ومن ضاربٍ خبط عشواء
لم يفقه بعد من أين يبدأ مهمة الإصلاح التي بادر العمل بها والخوض فيها، "لا
يعرف كوعه من بوعه" كما يقول المثل العربي، فجعل من السنن في مراتب الفرائض
ومن المستحبات في منازل الواجبات، قد حجر بذلك واسعا وضيّق على الأمة شاسعا في
اختلافات وسعت السلف ولم تسع الخلف، ثم هو بعد ذلك يدعي الإتباع والأثر. ومنهم من
لا يعرف من هذه الشريعة العظيمة إلا الشطحات في الوعدات والالتفاف حول الزردات أو
الرقص في وسط الحلقات بطرب واهتزاز النشوان كما يفعل المخدر والسكران والله
المستعان. وقد اتبعت في هذا التحليل التالي من التدليل مع تقسيم الكل إلى زمر
وتقاسيم ما يلي:
مع المسلمين:
وهم قسمين:
أ/ الملتزمين:
وهم الذين يتبعون الحق ولا يعاندون أو يجادلون، فهؤلاء يكفي في دعوتهم بالقول
الحكيم أن يبين لهم الصواب علما وعملا واعتقادا وحينئذ ينقادون لذلك بإذن الله
تعالى ولربّما المعلم الوحيد والكفيل بردّهم إلى جادة الإصلاح هو:
التذكير:
وذلك باعتبار أن الإنسان ليس معصوما من الزلل ولا مأمونا من الخلل وأن من كان على
هذه الشاكلة فطرته لا زالت سوية نقية متى وخزت استجابة، ولهذا قال تعالى: (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى) الأعلى: ٩.
ب/ المخالفون:
وينقسمون أيضا إلى قسمين:
1/ العصاة: هم الذين عندهم غفلة وشهوات وأهواء من المسلمين، تحملهم
على اقتراف "ما نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عنه في الكتاب والسنة
الصحيحة وما ثبت من الآثار عن السلف الصالح" الكبائر
للذهبي ص7. ومعهم نتبع الآتي:
الحكمة والموعظة الحسنة: الحكمة هي
"الإصابة في الأقوال والأفعال ووضع الشيء في موضعه"، وأما الموعظة فهي:
"المقالة المشتملة على الموعظة الحسنة التي يستحسنها السامع وتكون في نفسها
حسنة باعتبار انتفاع السامع بها" الفتح
القدير 1/1046، وفي شأنها يقول عزّ وجلّ ( ادْعُ
إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين)النحل: ١٢٥، وقال: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا
عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا
فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ
لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ) النساء: ٦٦، وقال أيضا: (وَيُبَيِّنُ
اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) النور: ١٧، يقول
العلامة السعدي رحمه الله: "فالله يعظكم وينصحكم من ذلك ونعم المواعظ
والنصائح من ربنا فيجب علينا مقابلتها بالقبول والإذعان والتسليم والشكر له على ما
بين لنا" تيسير العزيز الحميد 512.
الترغيب في الهداية: وهو عامل
مهم في تليين القلوب وإغراء النفوس بما أعدّ لها في جنته وما يجب عليها إن أرادت
أن تظفر بالجائزة فقال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي
لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ
الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) الإسراء: ٩ – ١٠، ومن ضمنها قسمين على فرعين وهما:
أ/ ترغيب دنيوي: يتعلق هذا القسم بما
تعيشه الأنفس من حياة العزة والكرامة ماديا ومعنويا كالوعد بالحياة الطيبة في قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ
ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا ) النحل: ٩٧ " وكالوعد بالمغفرة والمد في العمر، قال تعالى: (يَدْعُوكُمْ
لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى
قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا
عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) إبراهيم: ١٠، وعليها فقس لأن في الباب من الآيات الجمة مالا يمكننا حصرها
في هذه الوقفة الطيبة.
ب/ ترغيب أخروي: وهنا الأمر يتعلق بما أعده الله لعباده المؤمنين في
جنة النعيم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر فقال عز من قائل: (فَلَا
تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ) السجدة: ١٧ وقال أيضا: (وَعَدَ
اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ
وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة: ٧٢
2/ الترهيب من الغواية: وهو عبارة عن عامل جس النبض لرفع مستوى وتيرة
الاستعداد ليوم الحساب ويأتي أيضا على ضربين:
ب/ ترهيب أخروي: وفيه ذكر الحساب الشديد والعذاب من حديد يشيب منه
الولدان وتخر له الجبال هدا فقال
تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ
يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ) النساء: ١٤ .
3/ القصص القرآني: تعتبر
القصة من الزاد القرآني الذي وظف فيه أروع أساليب أخذ العبرة من حياة الغابرين في
باب التأسي ومن جهة التأثير النفسي فقال
تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) يوسف: ٣ ، وقال
أيضا: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا
كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ
كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) يوسف: ١١١، فالقرآن
إذا حدّث العاصي عن العفة مثلا ضرب له قصة يوسف عليه السلام وإذا حدّثه عن الصبر
تكلم عن صبر أيوب عليه السلام وإذا خاض في التوبة من القتل كانت قصة موسى عليه
السلام مع الغلام وهلّم جرا، فقط أود هنا أن أحذر الداعية في هذا الركن من خطر
الأحاديث الواهية والقصص الإسرائيلية الخرافية وإلا فإنّه كم من خطيب يبني خطبته
على قصص وحوادث هي "أحجيات" لا يتقبلها العقل والواقع فما بالك بنسبتها
للشارع الحكيم؟
4/ التشبيه والمثل: يسلح القرآن الداعية المخلص بكثير من التشبيهات والأمثلة
المحبوكة في تناسق الآيات لفظا ومعنى وهذا تنويعا لأساليب وطرائق الدعوة إلى الله
من جهة، وأخرى رفعا للملل والضجر عن المدعو، فقال تعالى: (وَلَقَدْ
ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ
يَتَذَكَّرُونَ )الزمر: ٢٧، ثم فصّل فقال
مثلا: (أَلَمْ
تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ
أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ
بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَتَذَكَّرُونَ )إبراهيم: ٢٤ - ٢٥
5/ عقوبة الهجر الحكيم: هو
وسيلة وليس غاية، فيه قال
تعالى: ( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ
يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ
غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى
مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) الأنعام: ٦٨، وتبيانا لهذه النقطة الساخنة، أوضحها بقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم
وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإنّ المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل
حاله، فإن كان هجره يضعف الشر، كان مشروعا وإن كان المهجور لا يرتدع بذلك ولا
يرتدع به غيره، بل يزيد الشر والهاجر ضعيف وتكون مفسدة الهجر راجحة على مصلحته لم
يشرع الهجر بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، كما كان الهجر لبعض الناس
أنفع من التأليف ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألف قوما ويهجر آخرين"
الفتاوى 28/115. وينبغي على المرء في هذا المقام أن يفرق
بين الهجر لحق الله والهجر لحق الأنفس المريضة بما فيها من حسد وبغض وكراهية والله
المستعان.
6/ إنزال وتطبيق الحدود:
الكلام في باب تطبيق الحدود من قبل الحاكم العام للمسلمين طويل عريض والقول فيه ذو
شجون وعليه سأكتفي بإيراد بعض الآيات فقط والبقية على عاتقك، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ
وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ
أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ
تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ
عَذَابٌ أَلِيمٌ) البقرة: ١٧٨، وفي الزنا( الزَّانِيَةُ
وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا
تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ) النور: ٢، وفي السرقة قال:( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ) المائدة: ٣٨. وأكرر هنا للمرة الألف أن تطبيق الحدود لا يكون إلا
لحاكم المسلمين وليس هو متاح لكل لكع بن لكع وإلا فإنّ "سلطة ظالمة خير من
فوضى عارمة".
2/ أهل الأهواء والبدع: عرّف البدعة الإمام الشاطبي رحمه الله فقال:
"هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في
التعبد لله سبحانه" الاعتصام 1/28، ومنه سمي
المتلبس بها مبتدعا -بشروطها طبعا شأنها شأن التلبس بالكفر- ومتبعا للهوى المضاد
للهدي الإلهي والنبوي الوارد في الكتاب والسنة على فهم صالح سلف الأمة ولهم الآتي:
1/ عقوبة المخالفة: باعتبار أنّ المبتدع
قد خالف أحكام الشريعة عموما وخصوصا فقد أنزل عليه عقوبة نظير حيدته عن الحق
وتلبسه بالباطل فقال في شأنه: (لَا
تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ
اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ
يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ) النور: ٦٣.
2/ إكتمال الشريعة: إنّ الابتداع تبني
لمقولة الدين ناقص فلا بدّ له من إكمال ولهذا رّد تعالى هذه الفرية وقطع دابرها بقوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ
الْإِسْلَامَ دِينًا) المائدة: ٣ ، وقال أيضا مخرسا لأرباب هذه الأطروحة: (وَنَزَّلْنَا
عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى
لِلْمُسْلِمِينَ) النحل: ٨٩.
3/ الزيادة عن المشروع تنافي
المحبة والاتباع والطاعة: المبتدع محبته لربه ونبيه مزيفة لأنها تبقى في
مجرد الإدّعاء الخالي من الأدلة والبراهين التي تبين صدق الإدّعاء كما قال الشاعر:والدعاوى ما لم تقم عليــ *** ــها بينات فأبنائها أدعياء
ولهذا قال تعالى: (قُلْ
إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ
لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) آل عمران: ٣١، فالأمر الأول للإّدعاء والثاني للتدليل والبرهنة، وقال في الأخرى: ( وَأَطِيعُوا
اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) الأنفال: ٤٦، وهل الطاعة تعني المخالفة؟.
مع أهل الكتاب: هم اليهود والنصارى لا
غير، ولدعوتهم رسم القرآن الكريم المعلم الآتي بيانه من بعد التعريف بالماهية:
أ/ اليهود:
عرّفهم الإمام الشهرستاني رحمه الله فقال: "هم أمة موسى عليه السلام
وكتابهم التوراة وهو أول كتاب نزل من السماء أعني: أّن ما كان ينزل على إبراهيم وغيره
من الأنبياء عليهم السلام ما كان يسمى كتابا بل صحفا" الملل والنحل 1/ 217. ويبدع
العلامة ابن قيم رحمه الله بوصفهم على حقيقتهم وواقعهم فيقول: "فالأمة
الغضبية هم "اليهود" أهل الكذب والبهت والغدر والمكر والحيل، قتلة
الأنبياء وأكلة السحت -وهو الربا والرشا- أخبث الأمم طوية وأردأهم سجية وأبعدهم من
الرحمة وأقربهم من النقمة، عادتهم البغضاء ودينهم العداوة والشحناء، بيت السحر
والكذب والحيل لا يرون لمن خالفهم في كفرهم وتكذيبهم الأنبياء حرمة ولا يرقبون في
مؤمن إلا ولا ذمة، ولا لمن وافقهم عندهم حق ولا شفقة، ولا لمن شاركهم عندهم عدل
ولا... ولا لمن خالطهم طمأنينة ولا أمنة، ولا لمن استعملهم عندهم نصيحة بل أخبثهم
أعقلهم وأخذقهم أغشهم وسليم الناصية -وحاشاه أن يوجد بينهم- ليس بيهودي على
الحقيقة، أضيق الخلق صدورا وأظلمهم بيوتا وأنتنهم أفنية وأوحشهم سجية تحيتهم لعنة
ولقاؤهم طيرة وشعارهم الغضب ودثارهم المقت". هداية
الحيارى 18
قلت: سبحان الله ما أشبه الليلة بالبارحة، ولما كانت شقاوتهم أعظم من غيرهم
ادّخر لهم القرآن ما يلي من الأساليب والسبل:
1/ نسخ الإسلام لجميع الشرائع: يجزم كل
عاقل أن دين الإسلام العظيم بتعاليمه وأحكامه السمحة مع زمنية مجيئه المتأخرة يعد
ناسخا لكل الديانات والكتب السماوية السابقة تنزيلا، وفيه قال تعالى: ( وإذ بَدَّلْنَا
آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا
أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) النحل: ١٠١ .وقال تعالى ( مَا
نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) البقرة
2/ وقوع التحريف في التوراة: إنّ المتأمل
فيما يّدعي أهل التوراة من عصمة كتابهم عن التحريف من بعد إطلالة خفيفة على ما حوى
من أحكام وكلام، يبصم بأصابعه العشرة على كذبهم، فما بالك والقرآن يؤكد ذلك فقال تعالى: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا
وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي
الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا
لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) النساء:
٤٦، وقال أيضا: (وَإِنَّ
مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ
الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ) آل عمران: ٧٨
ب/ النصارى:
هم: "أمة المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام رسول الله وكلمته، وهو المبعوث
حقا بعد موسى عليه السلام، المّبشر به في التوراة وكانت له آيات ظاهرة وبيّنات
زاهرة ودلائل باهرة -إلى أن قال:- فلما رفع إلى السماء اختلف الحواريون وغيرهم فيه". الملل والنحل 1/ 226
وفيهم يقول
العلامة ابن القيم: "والصنف الثاني "المثلثة" أمة الضلال وعباد
الصليب الذين سبّوا الله الخالق مسبة ما سبه إياها أحد من البشر، ولم يقّروا بأنّه
الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد، ولم يجعلوه
أكبر من كل شيء، بل قالوا فيه ما تكاد
السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا، فقل ما شئت في طائفة أصل
عقيدتها أنّ الله ثالث ثلاثة، وأنّ مريم صاحبته وأنّ المسيح ابنه وأنّه نزل عن
كرسي عظمته والتحم ببطن الصاحبة، وجرى له ما جرى، إلى أن قتل ومات ودفن، فدينها
عبادة الصلبان ودعاء الصور المنقوشة بالأحمر والأصفر في الحيطان، يقولون في
دعائهم: "يا والدة الإله ارزقينا واغفري لنا وارحمينا، فدينهم شرب الخمور وأكل
الخنزير وترك الختان والتعبد بالنجاسات واستباحة كل خبيث من الفيل إلى البعوضة،
والحلال ما حللّه القس والحرام ما حرّمه، والدين ما شرعه وهو الذي يغفر لهم الذنوب
وينجيهم من عذاب السعير". هداية الحيارى ص 19
1/ إبطال عقيدة التثليث: إنّ
تلميذ الابتدائي عندنا يرفض بديهيا أنّ الثلاثة تساوي واحد، إلا أنّ أهل التثليث
لم يقتنعوا بذلك على الرغم مما يمتلكون من عقول وتكنولوجيا متقدمة ولهذا فإنّ
القرآن آزر الفطرة السليمة لذاك الطفل وخالف تلك العقول الخربة: (لَقَدْ
كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ
إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) المائدة: ٧٣ . وقال
تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ
الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ
وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ) المائدة: ٧٧ ، وقال أيضا: (وَقَالَتِ
الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ
اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) التوبة: ٣٠ ".
2/ بشرية عيسى عليه السلام وأنه ليس
إله: يستحيل أن يجتمع التكليف والتشريع في بشر واحد، ولهذا حاول القرآن
بشتى الطرق إثبات بشرية عيسى عليه السلام ونفي ألوهيته فقال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ
اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) آل عمران: ٥٩، وقال أيضا: (مَا
الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ
لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) المائدة: ٧٥، وقال أيضا: (مَا كَانَ
لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ
يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا
رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ
تَدْرُسُونَ) آل عمران: ٧٩ ".
3/ إبطال الصلب والقتل: يفنّد
القرآن الكريم أسطورة صلب المسيح وقتله بأدلة واقعية، ومنها التشبيه الذي يقارب
نوعا ما الغشاوة البصرية، ثم عضد كل ذلك بسيد الأدلة أعني الاعتراف على لسان عيسى
عليه السلام فقال تعالى: (وَبِكُفْرِهِمْ
وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا
قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ
وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ
لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا
قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ
عَزِيزًا حَكِيمًا).النساء: ١٥٦ – ١٥٨
4/ وقوع النسخ والتحريف في الأناجيل:
ما قيل عن التوراة هناك يقال هنا عن الإنجيل بنفس النسق والمنحى فقال تعالى: (الَّذِينَ
آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ
فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) البقرة: ١٤٦ ".
5/ الإعجاز القرآني: المعجزة
هي: "أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة"، والمراد
بالإعجاز: "إظهار صدق النبي صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة بإظهار عجز
العرب عن معارضته في معجزته الخالدة -وهي القرآن- وعجز الأجيال بعدهم". مباحث في علوم القرآن 265
وهي هنا على فرعين:
أ/ الإعجاز البلاغي: على الرغم من فصاحة أهل بقعة مهبط الرسالة، إلا أنّ
أسلوب القرآن أعنتهم حتى أن يأتوا بما يشابهه فما بالك بمثله، فقال تعالى: ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ
الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا
يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) الإسراء: ٨٨، هذا مع التنبيه إلى أنّ لهذا النوع من الإعجاز صور
متعددة وأنماط مختلفة ليس هذا مقامها.
ب/ الإعجاز العلمي: هي كثيرة وليس هنا محط التفصيل والتحليل وإنّما سأكتفي
بما يلبي الطلب، قال تعالى (وَفِي
أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ )الذاريات:
٢١، وفي وقتنا قال: ( الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
بِحُسْبَانٍ )الرحمن: ٥ وفي كوننا قال:
(وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ
وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ )
الملك: ٥.
مع الملحدين: عرّف أهل الشأن الإلحاد فقالوا هو: "الميل عن الحق
والانحراف عنه بشتى الاعتقادات والتأويل الفاسد والمنحرف عن صراط الله، والمعاكس
لحكمه يسمى ملحدا". الأجوبة المفيدة ص40
والمراد بالملحد في هذا الباب هو: من أنكر وجود رب لهذا
الكون خالق ومتصرف ومدبر فيه بعلمه وحكمته ويجري أحداثه بقدرته، وكذا اعتباره قد
تمت تغيراته بالمصادفة أو بمقتضى طبيعة المادة وقوانينها واعتبار الحياة -وما
تستتبع من شعور وفكر حتى قمتها الإنسان- من أثر التطور الذاتي للمادة، ويسمون على
مصطلحات عدة وهي الماديون أو الطبيعيون أو الدهريون ولهم من المعالم ما يلي:
1/ أدلة الفطرة:
خاطب القرآن هنا الفِطر لا العقول، ذلك لأنّها سوية وبعيدة عن سفسطات العقل
وفلسفاته الخرافية التي كثيرا ما تطرح أسئلة يندر الجواب عنه، وبهذا يكون قد طرق
السبيل السهل بدل الطرق الملتوية، فقال تعالى: (فَأَقِمْ
وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا
لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الروم: ٣٠ " وقال في الأخرى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي
آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ
إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)الأعراف:
١٧٢.
2/ مخاطبة العقل: وهي عبارة عن استفسارات
أجوبتها معلومة، وبالتالي هي ليست سوى تنبيه أو تذكير لرد العقل إلى عقلانيته بدلا
عن اللاعقلانية التي تلبس بها، فقال تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ
أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا
يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ) الطور: ٣٥ - ٣٧.
3/ الأدلة الحسية: هي كثيرة للمتبصر
والمستشعر بها ولهذا كانت لصيقة بالإحساس والشعور أكثر من العقل والفطرة ومنها على
سبيل المثال لا الحصر إجابة المستغيث في دعوته، فقال
تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ
السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا
تَذَكَّرُونَ) النمل: ٦٢، ومنها معجزات
الأنبياء: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا
آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا
أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ) القمر: ١ - ٣
مع الوثنيين: الوثني هو: "يتدين بعبادة الوثن، يقال: رجل
وثني وقوم وثنيون وامرأة وثنية ونساء وثنيات، واسم الوثن يتناول كل معبود من دون
الله سواء كان ذلك المعبود قبرا أو مشهدا أو صورة أو غير ذلك وكل من دعا نبيا أو
وليا أو ملكا أو جنيا أو صرف له شيئا من العبادة فقد اتخذه إلها من دون الله وهذا
هو حقيقة الشرك الأكبر الذي قال فيه الله تعالى(
إن اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا
عَظِيمًا )النساء: ٤٨" فتح المجيد 242.
ولهم من الأساليب ما يلي:
1/ البراهين العقلية على إثبات ألوهية الله تعالى:
ترك القرآن للعقل البشري فسحة لطرح الأسئلة على نفسه والإجابة عنها المعلومة سلفا،
والتي لن تخرج عن الإطار والنهاية التي حددها كلام رب العالمين لحل هذه الإشكالية
والاستفسار فقال تعالى: (لَوْ
كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ
الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) الأنبياء: ٢٢".
2/ ضعف جميع المعبودات من دون الله تعالى:
الضعيف لا يستغيث بمثله والناقص في حاجة إلى كامل، ومن هنا جاء فساد ما يدعون فقال تعالى: (قُلْ
أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا
وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
المائدة: ٧٦، وقال أيضا ( قُلِ
ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ
عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا) الإسراء: ٥٦
3/ ضرب الأمثال الحكيمة: المثل أسلوب
يخاطب العقل، ويقرب الفهم بتجسيد العويص على الواقع، لتستبين النتيجة المحتومة
والمتوحدة، ومن ثم إتباع الحق فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ
مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ
يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ
شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) الحج: ٧٣. وقال
في الأخرى: (وَجَعَلْنَاهُمْ
أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ) العنكبوت: ٤١.
4/ الحق المطلق لله تعالى المستحق للعبادة:
حقيقة كمال الله تعالى تقتضي من كل الجوانب أحقيته بالإذعان المطلق لتوحيده
وعبادته،وهذا ملتمس في قوله (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) مريم: ٩٣، وقال أيضا: (وَإِذْ
أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ
تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) آل عمران: ٨٣ ".
5/ التوحيد دعوة جميع الرسل: وهذا معلوم
بدلالة السياق التاريخي والقصصي الذي جاء في القرآن وصدقته في ذلك الآثار وبقايا
الأمم الغابرة على لسان جل الأنبياء والرسل عليهم السلام، قال تعالى: (وَمَا
أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا
إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ): ٢٥ ". وقال أيضا: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ
أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ
مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي
الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) النحل: ٣٦.
6/ الغلو في الصالحين رأس الشرك: وهو رأس
الإلحاد وذروة سنام الشرك وفي القرآن شواهد تاريخية لذلك منها قوله تعالى: (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا
سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا )نوح: ٢٣، وقال أيضا: (يَا
أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ
إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ
وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ
وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ
إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) النساء: ١٧١".
7/ الشفاعة
لا تكون لغير الله: الشفاعة هي: "التوسط
للغير بجلب منفعة أو دفع ضرر" القول المفيد 1/330.
وهي منفية من دون الله تعالى وطالبها من غيره مثله كمثل طالب الشيء من فاقده،
ولهذا دافع القرآن عن هذا الحق دفاعا مريرا فقال
تعالى: (قُلْ
لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ
إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) الزمر: ٤٤ ".
8/ المسخر لما في الكون لعباده هو المستحق للعبادة:
يقال: "من أراد أن يعصي ربه فعليه أن يخرج من ملكه"، وهي مقولة صحيحة
مستحيلة التطبيق، وبالتالي فإنّ عكسها الصواب والعمل بها سهل في متناول الجميع وقد
صدّقها القرآن في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ
سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ
نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ
بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ) لقمان: ٢٠.
9/ البراهين على إثبات البعث بعد الموت:
الموت حق على كل إنسان والبعث لاحق ابن آدم لا محالة، ولذا فما عليه إلا أن يعّد
نفسه لهذا الحق والواجب لأنّه لم يخلق عبثا، قال
تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ
إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ) المؤمنون: ١١٥ وقال تعالى: (اللَّهُ
يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )الروم: ١١، وقال
أيضا: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ
اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) لقمان: ٢٨.
هذا ما وفقني إليه ربي، فإن أصبت فمن إلهي وحده لا شريك
له وإن كانت الأخرى فمن نفسي ومن الشيطان، والله المستعان، وآخر دعوانا أن الحمد
لله رب العالمين.
إن الدارس والمتفرس لحقائق القرآن الكريم بما
حوى من آيات وتفسيرات، وبخاصة ما تعلق منها بمنهجية تغيير حال الأمم والمجتمعات،
التي رست على شاطيء الكفر والجاهلية ردحا من الزمن، إلى أن جُرت بعبارة التوحيد
والإيمان إلى بر الأمن والآمان، يعلم يقينا أن هناك جهدا [ ... ]
1- تعريف
القرآن الكريم:هو
كلام الله المنزّل على سيدنا محمد صلى
الله عليه وسلم بلسان عربي
مبين، المعجِز بلفظه ومعناه، المتعبّد
بتلاوته، المنقول إلينا بالتواتر، المحفوظ
في الصدور، والمكتوب في المصاحف.2-منزلته:إن
الله أنزل هذا القرآن الكريم لهداية البشر
إلى الخير و [ ... ]
إقامةُ
الدليل على خطأ من يستدلبقوله
تعالى (أم
لهم شركاء ...) , على كُفْر المُشَرِّعين بلا تفصيلالحمد
لله العليّ القدير،والصلاة والسلام على
البشير النذير،والسراج المنير،وعلى من
تبعه،واهتدى بهديه،وسلم تسليماً كثيراً
إلى يوم الدين،وبعد:نواصل
ضمن هذه السلسلة،رد [ ... ]
إنَّها أعظمُ الآيات وأبهرُ
المعجزات ودليلٌ من دلائل نبوَّته عليه الصلاة والسلام، تلكم هي معجزة القرآن
الكريم، الآية العظمى والمعجزة الخالدة والمستمرَّة على تعاقب السنين. أنزله الله عز وجل على محمَّد خاتم
الأنبياء والمرسلين، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم [ ... ]
ما هي إلا أيام، ويطلّ علينا هلال رمضان معلنا بذلك قدوم
"شهر القرآن" الذي أنزل في طياته الفرقان، كما قال عزّ من قال( شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ
الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) البقرة: ١٨٥ حاملا بين ثناياه ل [ ... ]
وَلاَ
تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً... فإنّي أدعو قرّاءنا
الأعزّاء إلى أن يصحبوني إلى أرض من أراضي الجزيرة العربيّة.. أرضِ جهينة.. فنقف
على مشارفها لنشهد حدثا من أحداثها.. حدثٌ عظيم في طيّاته أصل من أصول الإسلام
عظيم، وإن استهان به [ ... ]
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله، أمّا بعد: فالمقصود
بالمفسّر الّذي يُطالَب بهذه الآداب والشّروط هو من يفسّر القرآن ابتداءً، أو
يرجّح قولا على قول من كلام المفسّرين، وثمرة معرفة هذه الشّروط والآداب أن يحسن
الطّالب للتّفسير اختيار الكتب في ذلك.
الحمدُ لله ربِّ
العزّة ربّ العالمين، وليِّ التّمكين للدّين، الملِكِ الحقِّ المُبين، خيرِ
النّاصرين، وأحكمِ الحاكمين، لا إله إلا هو يقصّ الحقَّ وهو خيرُ الفاصلين، مجّدَ
نفسَه في كتابه بامتلاكِه وحدَه لأسباب النّصر والتّمكين، فقال: (وَالَّذِينَ
تَدْعُو [ ... ]
إنّ إدراك الكلام البليغ لا يتأتّى إلا عن طريق
الدراسة و البحث و التأمل، و من أجل ذلك جاء علم البلاغة ليكشف للدارسين عن
العناصر البلاغية المميِّزة للكلام البليغ عن غيره، و ليس في الوجود كلام أبلغ من
كلام ربّ العالمين؛ إذ لا نظم يدانيه على الإطلاق.قال تع [ ... ]