|
الحمد
لله الذي لم يجعل على المتقين من حرج في الدين،وأراد بهم اليسر ولم يرد به العسر وهو أرحم الراحمين،والصلاة والسلام على
نبي الرحمة ،المبعوث بالحنيفية السمحة
السهلة،المرفوع عنها الإصر والأغلال
التي كانت على الغابرين،سيدنا محمد خاتم
النبيين،وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين
وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:فان
مسألة المسح على الخفين من المسائل
المعروفة المشهورة عند الفقهاء،نص عليها
الكتاب والسنة وهي مذهب سلف الأمة من
الصحابة والتابعين،ومن تبعهم بإحسان إلى
يوم الدين حتى صارت شعارا لأهل السنة ذكره
بعض العلماء في كتب العقيدة لمخالفة
الشيعة فيه قال الإمام الطحاوي-رحمه
الله-في
عقيدته:((ونرى
المسح على الخفين في السفر والحضر كما
جاء في الأثر))وسنذكر
بعون الله في هذا المقال بعض الأحكام التي
تتعلق بهذه المسألة.
01-معنى
المسح ومعنى الخف:
أ-المسح:
-لغة:إمرار
اليد على الشيء.
-شرعا:إصابة
اليد المبتلة بالماء لحائل مخصوص في زمن
مخصوص.
ب-الخف:
-لغة:بضم
الخاء وتشديد الفاء:واحد
الخفاف التي تلبس على الرجل،سمي بذلك
لخفته.
-شرعا:الساتر
للقدمين إلى الكعبين،فأكثر،من جلد
ونحوه.(توضيح
الأحكام من بلوغ المرام للشيخ البسام
رحمه الله(1/241)).
02-الدليل
على جوازه:
من
الكتاب:قوله
تعالى:(يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا
وجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إِلَى
الْمَرَافِقِ وامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ
وأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)(المائدة:الآية6)فإن
قوله تعالى :
(وأَرْجُلَكُمْ)فيها
قراءتان سبعيتان عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم :
إحداهما:
(وأَرْجُلَكُمْ)بالنصب
عطفاً على قوله :
(وجُوهَكُمْ)فتكون
الرجلان مغسولتين.
والثانية:
(وأَرْجُلَكُمْ)بالجر
عطفاً على :
(بِرُؤُوسِكُمْ)فتكون
الرجلان ممسوحتين ..(فتاوى
في المسح على الخفين للشيخ العلامة ابن
عثيمين رحمه الله).
من
السنة:تواترت
الأحاديث بذلك عن النبي صلى الله عليه
وسلم،قال الإمام أحمد رحمه الله:ليس
في قلبي شيء،فيه أربعون حديثا عن النبي
صلى الله عليه وسلم.أي:ليس
في قلبي أدنى شك في الجواز.
ومما
يذكر قول الناظم:
مما
تواتر:حديث
من كذب ** ومن بنى لله بيتا واحتسب
ورؤية،شفاعة،والحـوض ** ومسح خفين وهذي بعض
ومن
الإجماع:أجـمع
أهل السنة على جواز المسح على الخفين.
قال
الإمام النووي-رحمه
الله-في
شرح مسلم(03/128):أجمع
من يعتد به في الإجماع على جواز المسح على
الخفين في السفر والحضر،سواء كان لحاجة
أو لغيرها،حتى يجوز للمرأة الملازمة
بيتها والزمن الذي لا يمشي،وإنما أنكرته
الشيعة والخوارج ولا يعتد بخلافهم.قال
الحسن البصري-رحمه
الله-:حدثني
سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
يمسح على الخفين.أ
ه
وقال
الحافظ ابن عبد البر المالكي في
الاستذكار(2/237):والقائلون
بالمسح على الخفين هم الجم الغفير والعدد
الكثير الذين لا يجوز عليهم الغلط ولا
التشاغر ولا التواطؤ وهم جمهور الصحابة
والتابعين وهم فقهاء المسلمين.
03-شروطه:
ذكر
أهل العلم أربعة شروط للمسح على الخفين:
01-أن
يكون لابسا لهما على طهارة:ودليل
ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة
بن شعبة رضي الله عنه عندما أراد أن ينزع
خفي النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((دعهما
فاني أدخلتهما طاهرتين))متفق
عليه.
02-أن
يكون الخفان أو الجوارب طاهرة:ودليل
ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات
يوم بأصحابه وعليه نعلان فخلعهما في أثناء
صلاته،وأخبر أن جبريل عليه السلام أخبره
بأن فيهما أذى أو قذرا،وهذا يدل على أن
الصلاة لا تجوز فيما فيه نجاسة.
03-أن
يكون مسحهما في الحدث الأصغر لا في الجنابة
أو ما يوجب الغسل:ودليل
ذلك حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه
قال:((أمرنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا
سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن
إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم))أخرجه
مسلم.
04-أن
يكون المسح في الوقت المحدد شرعا:وهو
يوم وليلة للمقيم،وثلاثة أيام بلياليها
للمسافر،ودليل ذلك حديث علي بن أبي طالب
رضي الله عنه قال:((جعل
النبي صلى الله عليه وسلم للمقيم يوما
وليلة،وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن،يعني
في المسح على الخفين))أخرجه
مسلم.(فتاوى
في المسح للشيخ ابن عثيمين)
04-ما
يبطل المسح:
أ-نزع
الممسوح عليه من الرجلين:
لأنه
إذا نزعهما ثم لبسهما لم يكن أدخل رجليه
طاهرتين.
ب-انقضاء
المدة:
لأن
المسح مؤقت كما علمت،فلا يجوز الزيادة
على المدة المقررة.
ج-الجنابة:
لحديث
صفوان بن عسال قال:((كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا
كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام
ولياليهن،إلا من جنابة،ولكن من غائط وبول
ونوم))أخرجه
مسلم.
فائدة01:انقضاء
المدة ونزع الممسوح عليه يبطلان المسح
وحده،فلا يجوز المسح حتى يتوضأ ويغسل
رجليه ثم يلبس،لكنه إذا كان متوضئا حين
نزع الممسوح عليه أو انقضاء المدة فانه
باق على وضوئه يصلي به ما شاء حتى يحدث.
فائدة02:من
لبس جوربين على طهارة،ثم مسح عليهما،ونزع
الأعلى بعد المسح جاز له إتمام المدة
بالمسح على الأسفل،لأنه يصدق عليه أنه
ادخل رجليه طاهرتين أما إذا لبس جوربا
واحدا ومسح عليه،ثم لبس عليه غيره لم يمسح
عليه،لأنه لم يصدق عليه أنه أدخلهما
طاهرتين.(الوجيز
لابن بدوي)
05-أحكام
تتعلق بالمسح على الخفين:
أ-المسح
على الجوربين والنعلين:
وكما
يجوز المسح على الخفين فانه يجوز على
الجوربين والنعلين لحديث المغيرة بن شعبة
رضي الله عنه قال:((توضأ
النبي صلى الله عليه وسلم ومسح على الجوربين
والنعلين))أخرجه
أصحاب السنن الأربعة وهو صحيح كما في
الإرواء(101)،قال
الإمام أبو داود السجستاني في سننه:(ومسح
على الجوربين علي ابن أبي طالب،وأبو مسعود
والبراء بن عازب،وأنس بن مالك،وأبو
أمامة،وسهل بن سعد،وعمرو بن حريث،وروي
ذلك عن عمر بن الخطاب،وابن عباس)).
ب-محل
المسح وكيفيته:
يمسح
على ظهر الخفين أو النعلين أو الجوربين
لحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه:((أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمسح
على الخفين))وقال:((على
ظهر الخفين))صحيح
انظر الإرواء(101).
وعن
ابن أبي طالب رضي الله عنه قال:((لو
كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى
بالمسح من أعلاه،وقد رأيت النبي صلى الله
عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه))صحيح
انظر الإرواء(103).
أما
كيفية المسح فيمر يده من أطراف أصابع
الرجل إلى ساقه فقط،ويكون المسح باليدين
جميعا على الرجلين جميعا يعني اليد اليمنى
تمسح الرجل اليمنى واليد اليسرى تمسح
الرجل اليسرى في نفس الوقت وهذا ظاهر
السنة لقول المغيرة بن شعبة رضي الله
عنه:((فمسح
عليهما)).
ج-المسح
على الخف أو الجورب المخرق:
قال
الشيخ المحدث العلامة الألباني في رسالته
تمام النصح في أحكام المسح(ص84):وأما
المسح على الخف أو الجورب المخرق،فقد
اختلفوا فيه اختلافا كثيرا ،فأكثرهم يمنع
منه على خلاف طويل بينهم تراه في مبسوطات
الكتب الفقهية،و((المحلى)).وذهب
غيرهم إلى الجواز،وهو الذي نختاره.وحجتنا
في ذلك أن الأصل الإباحة ،فمن منع واشترط
السلامة من الخرق أو وضع له حدا فهو مردود
لقوله صلى الله عليه وسلم:((كل
شرط ليس في كتاب الله فهو باطل))متفق
عليه.وأيضا
فقد صح عن الثوري أنه قال:((امسح
عليها ما تعلقت به رجلك،وهل كانت خفاف
المهاجرين والأنصار إلا مخرقة،مشققة،مرقعة؟))أخرجه
عبد الرزاق في المصنف(753)ومن
طريقه البيهقي(1/283).
وقال
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في((اختياراته
ص13)):ويجوز
المسح على الخف المخرق ما دام اسمه
باقيا،والمشي فيه ممكنا،وهو قديم قولي
الشافعي واختيار أبي البركات وغيره من
العلماء.
د-انتهاء
مدة المسح هل تنقض الوضوء:
قال
الشيخ العلامة المحدث الألباني في رسالته
تمام النصح ص(92):للعلماء
في ذلك أقوال أشهرها قولان في مذهب الشافعي:
الأول:يجب
استئناف الوضوء.
الثاني:يكفيه
غسل القدمين.
والثالث:لا
شيء عليه،بل طهارته صحيحة يصلي بها ما لم
يحدث.قال
النووي رحمه الله.قلت:وهذا
القول
الثالث أقواها،وهو الذي اختاره النووي
خلافا لمذهبه أيضا فقال رحمه الله(1/527):وهذا
المذهب حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري
وقتادة وسليمان بن حرب،واختاره ابن
المنذر،وهو المختار الأقوى،وحكاه أصحابنا
عن داود.
ه-خلع
الممسوح عليه هل ينقض الوضوء:
قال
الشيخ المحدث العلامة الألباني في رسالته
تمام النصح في أحكام المسح(ص86):
اختلف
العلماء أيضا فيمن خلع الخف ونحوه بعد أن
توضأ ومسح عليه،على أقوال ثلاثة:
الأول:أن
وضوءه صحيح ولا شيء عليه.
الثاني:أن
عليه غسل رجليه فقط.
الثالث:أن
عليه إعادة الوضوء.
وبكل
من هذه الأقوال قد قال به طائفة من السلف،وقد
أخرج الآثار عنهم بذلك عبد الرزاق في
((المصنف1/210/809-813))وابن
أبي شيبة((1/187-188))والبيهقي((1/289-290)).ولا
شك أن القول الأول هو الأرجح،لأنه المناسب
لكون المسح رخصة وتيسيرا من الله والقول
بغيره ينافي ذلك.ويترجح
على القولين الآخرين بمرجح آخر بل مرجحين:
الأول:أنه
موافق لعمل الخليفة الراشد علي ابن أبي
طالب فقد قدمنا بالسند الصحيح عنه رضي
الله عنه أنه احدث ثم توضأ ومسح على نعليه
ثم خلعهما ثم صلى.
والآخر:موافقته
للنظر الصحيح،فانه لو مسح على رأسه ثم
حلق،لم يجب عليه أن يعيد المسح بله الوضوء
وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية
كما في اختياراته(ص15).هذا
ما تيسر نقله من كلام أهل العلم وصلى الله
وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين
 |