- خطأ
|
17 أكتوبر 2008
يحس المرء، وهو يكتب عن سيد البشر وخير خلق
الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، أنه مقصر مهما اجتهد، وبعيد عن أن يدرك
المبتغى مهما بذل من وسع، غير أن الدعاوى الكاذبة والتلفيقات المزورة التي أريد
منها الحط من قيمته صلى الله عليه وسلم والتنقيص من قدره الشريف جعلتني أبادر إلى كتابة
هذه الكلمات، لعلها تجلي بعض الجوانب من شخصيته الفذة صلى الله عليه وسلم، تلك
الشخصية التي بلغت من الكمال أن اختتمت بها سلسلة الأنبياء والمرسلين، واكتمل بها
الدين.
وفي هذا المقام فإن كلامنا سينصب على جوانب من
شخصية النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره القدوة الحسنة المرتضاة من الله تعالى
لكافة البشر، هذه الشخصية التي يُراد لها في وسائل الإعلام خاصة أن تبقى باهتة، في
حين يُطبّل لأناس لا يتوفر فيهم معشار جزء من خلقه وأخلاقه صلى الله عليه وسلم.
وخاصة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما
تلاها من هجوم على الإسلام والمسلمين، واتهامهم بل واتهام النبي صلى الله عليه
وسلم بأنه رجل حرب ونهب وسلب، وأنه كان غليظ القلب، وأن الإسلام دين العنف والرهبة
والقتال، وصار رموز الكنيسة وغيرهم من رموز الأديان الأخرى يُنعتون بأنهم رجال
المحبة والرحمة والسلام، وتناسى الناس في زحمة الكذب الإعلامي والتزوير في الحقائق
التاريخية والدينية والثقافية شخصية النبي صلى الله عليه وسلم تلك الشخصية التي
نالت القدر الأوفى من كل الشمائل والخلال النبيلة، والقيم الإنسانية العليا.
بين
يدي خير الأنام صلى الله عليه وسلم:
لقد كان ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم إيذاناً
ببدء ثورة شاملة، حررت الإنسان ، ورفعت عنه إصر عبوديات وأغلال كثيرة كانت تعيق
انطلاقه ً، فأخذ الإنسان حريته بيده، وصاغ هوية زمانه ومكانه صياغة جديدة، فجرت
عناصر الخير في كل شيء، فوقف الإنسان على ربوة التاريخ يسدّد خطواته نحو الأشرف
والأفضل، ووقف المكان ليُلهم ويحتضن ويُنبت الأروع والأنصع، ووقف الزمان ليفسح ويُتيح
للأكمل والأشمل!
ولد الهدى فالكائنات ضياء وفـم الزمان تبسـّم وثناء
ولقد شكلت شخصية محمد صلى الله عليه وسلم الرجل
الذي اكتملت فيه كل الأخلاق الحميدة، وانتفت منه كل الأخلاق الذميمة، ولذلك خاطبنا
الله بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ
كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:
21]. والمطّلع على سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم يدرك أنها كانت حقيقة
تاريخية لا تجد الإنسانية غيره قدوة حسنة تقتدي بها، وهي تتلمس طريقها نحو عالم
أكمل وأمثل، وحياة فُضلى.
وحياة محمد صلى الله عليه وسلم تكشف أمامنا
المثلى الأعلى في جميع أحوال الحياة؛ في السلم والحرب، في الحياة الزوجية، مع
الأهل والأصحاب، في الإدارة والرئاسة والحكم والسياسة، في البلاغ والبيان، بل في
كل أوجه الحياة. فمحمد صلى الله عليه وسلم هو المثل الكامل.
ولن تجد الإنسانية في غيره مثلاً حياً لها؛
فسيرة محمد صلى الله عليه وسلم حقيقة تاريخية، يصدّقها التاريخ الصحيح ولا يتنكر
لها، وهي سيرة جامعة محيطة بجميع أطوار الحياة وأحوالها وشؤونها، وهي سيرة متسلسلة
لا تنقص شيئاً من حلقات الحياة، وهي أيضاً سيرة عملية قابلة للتطبيق، ذلك أن ما
كان يدعو إليه محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن والحديث كان يحققه بسيرته أولاً،
وهذا ما شهد به معاصروه، فقالت عائشة -رضي الله عنها- وقد سئلت عن أخلاقه صلى الله
عليه وسلم: (كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ)(1).
أم
لم يعرفوا رسولهم؟
يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿أَمْ لَمْ
يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون: 69]، هذه الآية تشكل
في الحقيقة مسوغًا هاماً لنا في تناول شخصية النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك أن
معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته وفي سنته وفي شمائله من أهم الأمور
التربوية التي تساعدنا على الاقتداء به صلى الله عليه وسلم، فإنه لا توجد سيرة
أخرى أجدى بأن تُقتدى ويُحتفل بها مثل سيرته صلى الله عليه وسلم.
وفي تاريخ البشرية كلها لا نجد حياةً نُقلت
إلينا تفاصيلها، وحُفظت لنا وقائعها في وضوح كامل، وتفصيل عميم شامل كما حُفظت،
فكل كلمة قالها، وكل خطوة خطاها، وكل بسمة تألّقت على محيّاه، وكل دمعة تحدرت من
مآقيه، وكل مسعًى سار لتحقيقه، وكل مشاهد حياته حتى ما كان منها من خاصة أمره،
وأسرار بيته، وأهله، نُقل إلينا موثّقاً بأصدق ما عرف التاريخ الإنساني من توثيق
وتدوين.
ولا عجب في هذا، فمادام الله قد اختاره ليختم
به النبوة والأنبياء، فمن الطبيعي أن تكون حياته منهجاً جليلاً لأجيال لا منتهى
لأعدادها، وأن تكون هذه الحياة بكل تفاصيلها أشد وضوحاً، وتألقاً من فلق الصبح
ورابعة النهار، لا بالنسبة إلى عصره فحسب، بل بالنسبة إلى كل العصور والأجيال.
إن حياة النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله،
وجوانب شخصيته، ونتائج دعوته درس لكل سالك إلى طريق الله، وكل قائد أو مربٍّ أو رب
أسرة أو سالك أي سبيل من سبل الخير إلى أن ينقطع الزمان.
وفي مقالنا هذا، نحاول أن نتكلم عن خلال ثلاث
هي الرحمة والمحبة والسلام، وتخصيصنا لهذه الخلال الثلاث بالحديث يأتي من محاولة
كثير من الجهات ادّعاءها بهتاناً وزوراً، وقد كثر الحديث منذ أحداث الحادي عشر من
سبتمبر عنها ونسبتها إلى أي دين آخر ما عدا الإسلام، وكذلك نسبتها إلى أي شخصية
أخرى ماعدا سيد الخلق وقدوة الرجال وحبيب الله ورحمة العالمين وأساس سِلْم العالَمِ
محمد صلى الله عليه وسلم.
محمد
الرحمة المهداة
إن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بُعدٌ مهم في
شخصيته، وفي دعوته، ومن صميم شخصيته رسولاً ونبياً ومبلغاً عن ربه وهادياً للناس.
وحينما نقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
[الأنبياء: 107]، ونقف أمام الآية ندرك سعة رحمة هذا النبي الكريم، وكيف كان صلى
الله عليه وسلم يفيض رحمة في خلقه وسلوكه وأدبه وشمائله. وإنه لتناسب وتآلف في
أرقى مستوياته بين الرسالة والرسول في هذه الرحمة، حتى لا يُتصور أن يحمل عبء بلاغ
هذه الرحمة إلى العالمين إلا رسول رحيم ذو رحمة عامة شاملة فياضة طبع عليها ذوقه
ووجدانه، وصيغ بها قلبه وفطرته..﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ
عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ
رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. فهو مثل أعلى للرحمة الإلهية لذلك وصفه الله تعالى بأنه
رؤوف رحيم.
لقد أرسله الله تعالى رحمة للعالمين.. رحمة
شاملة للوجود بأجمعه. فقد استفاد المؤمنون من الرحمة التي كان يمثلها النبي صلى
الله عليه وسلم ذلك لأنه ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وكذلك الكافرون
والمنافقون استفادوا من هذه الرحمة، فقد روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. قَالَ: (إِنِّي لَمْ
أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً)(2).
كما أن رحمته شملت أسرته وأمته وأصحابه، فقد
كان صلى الله عليه وسلم خير الناس وخيرهم لأهله وخيرهم لأمته، من طيب كلامه، وحُسن
معاشرة زوجاته بالإكرام والاحترام، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (أَكْمَلُ
الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ
لِنِسَائِهِمْ)(3). كما أنه في تعامله مع أهله وأزواجه كان يُحسن إليهم، ويرأف بهم
ويتلطّف معهم ويتودّد إليهم، فكان يمازح أهله ويلاطفهم ويداعبهم. كما كان يعين
أهله ويساعدهم في أمورهم ويكون في حاجتهم، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:
كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ أُبَادِرُهُ وَيُبَادِرُنِي حَتَّى يَقُولَ (دَعِي لِي)
وَأَقُولَ أَنَا (دَعْ لِي)(4).
وكان صلى الله عليه وسلم رحيماً بالجميع، بل
إنه يسمع بكاء الصبي فيسرع في الصلاة مخافة أن تفتتن أمه(5).. و كان صلى الله عليه
وسلم يمر بالصبيان فيسلم عليهم، وجاء الحسن والحسين، وهما ابنا ابنته، وهو يخطب
الناس، فجعلا يمشيان ويعثران فنزل النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر، فحملهما
حتى ووضعهما بين يديه، ثم قال صدق الله ورسوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا
أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾
[الأنفال: 28]، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان فيعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي
ورفعتهما.
فرحمة النبي صلى الله عليه وسلم جعلته لطيفاً
رحيماً، فلم يكن فاحشاً ولا متفحّشاً، ولا صخّاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة
السيئة، ولكن يعفو ويصفح. بل إن سيدنا أنس -رضي الله عنه- يقول: (خَدَمْتُ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ فَوَاللَّهِ مَا
قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ وَلَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ كَذَا
وَهَلَّا صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا)(6)، وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: (مَا
ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَادِمًا لَهُ قَطُّ
وَلَا امْرَأَةً لَهُ قَطُّ وَلَا ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَانْتَقَمَهُ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا
أَنْ تُنْتَهَكَ مَحَارِمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ وَمَا عُرِضَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَيْسَرُ مِنْ الْآخَرِ
إِلَّا أَخَذَ بِأَيْسَرِهِمَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْثَمًا فَإِنْ كَانَ
مَأْثَمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ)(7). ولذلك قال فيه ربه عز وجل: ﴿فَبِمَا
رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ
لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ
فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]، فقد كان منهجه الرحمة بالعباد والتخفيف من الإصر
والأغلال التي عليهم، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم: (الرَّاحِمُونَ
يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي
السَّمَاءِ)(8).
وتتجلّى رحمته صلى الله عليه وسلم بالمذنبين،
وبمن لا يعرفون كيف تقضى الأمور، فيعفو ويصفح ويعلم، عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي
الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي
الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: مَهْ مَهْ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: (لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ)، فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ ثُمَّ إِنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: (إِنَّ
هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ
إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ
الْقُرْآنِ) أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ(9).
كانت رحمة النبي صلى الله عليه وسلم قبل غضبه،
بل إنه في الحرب كان يقاتل بشجاعة، ولكنه أيضاً كان صاحب شفقة عظيمة، كان سياسياً،
ولكنه في الوقت نفسه صاحب مروءة كبيرة وقلب كبير. ففي غزوة أحد استشهد عمه حمزة
أسد الله ورسوله رضي الله عنه، ومُزّق جسده تمزيقاً. كما مُزّق جسد ابن عمته عبد
الله بن جحش تمزيقاً(10). وشُجّ رأسه المبارك صلى الله عليه وسلم، وكُسِرت
رباعيّته، وغطّى الدم جسده الشريف(11).
وبينما كان المشركون جادّين في حملتهم لقتله،
كان أكثر رحمة بهم، وكان يدعو: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ)(12). فهل يوجد أرحم من محمد صلى الله عليه وسلم في مثل هذه اللحظات؟
وفي فتح مكة كيف تعامل مع من أخرجوه وظاهروا
على إخراجه وإيذائه؟ وكيف تعامل مع من حاصروه في شعب أبي طالب وتسببوا في وفاة أحب
زوجاته إليه خديجة الكبرى رضي الله عنها، وفي وفاة عمه أبي طالب؟ فكيف كانت
معاملته لأهل مكة بعد كل هذا التاريخ المملوء عداوة وبغضاً؟
لقد دخل مكة بعشرة آلاف مقاتل، دخل على مركبه،
والدرع على صدره، والمغفر على رأسه، والسيف في يده، والنبال على ظهره، ولكنه مع كل
مظاهر لباس الحرب هذه كان أنموذجاً للرحمة، سأل
أهل مكة: (ما ترون أني فاعل بكم؟) فأجابوه: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال لهم
ما قاله يوسف عليه السلام لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ
اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سورة يوسف: 92]، لقد قال لهم: (اذهبوا
فأنتم الطُلَقاء)(13).
هذا هو محمد النبي صلى الله عليه وسلم وهذه
رحمته التي شملت كل الناس، واستمرت ولا زالت دستوراً هادياً إلى أن تقوم الساعة،
وليست تلك الرحمة الكاذبة التي تأتي ردود أفعال من أناس يؤمنون ببعض الكتاب
ويكفرون ببعض، كما أنها ليس تلك الرحمة ذات الوجهين التي تُطبّق على البعض، ويُحرم
منها البعض، كما نراه في كثير من الشخصيات والنظم والقوانين الدولية والمحلية،
التي تحاكم آخرين وتستثني آخرين. أو تلك المؤسسات والشخصيات التي ترأف وترحم
الحيوان، ولكنها تشرّع لظلم الإنسان لأخيه الإنسان.
منهجه
يدعو إلى مجتمع المحبة:
إنها لصورة قاتمة باهتة مخيفة تلك التي رسمها
البعض للإسلام في أذهان الناس حتى صاروا يخافون من الدين ومن التدين؛ لأنهم يظنونه
شيئاً قاسياً لا يرحم، وأتباعه غلاظ لا يلينون، وأحكامه سيف قاطع على الرؤوس.
وقد استثمر أعداء الإسلام الموقف، واتهموا
النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام بالحقد والكراهية، وكل أوصاف التجهم والتعصب
والعنف، حتى لكأنها صارت حقيقة، وأُسقط في أيدينا، وظن بعضنا أن هذا الزيف قد أصبح
حقيقة.
ولكن الحقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم نور
يُستضاء به في ظلام الجاهلية، ومحبة خالصة تؤلف بين القلوب، وأن الإسلام شمس مضيئة
أنارت ظلام الجاهلية، وهو دين الحب والأمل والحياة واليسر، وشرائعه هي شرائع الحق
والعدل، وأحكامه هي أحكام الحياة.
وللقيمة الرفيعة لخلق الحب والمحبة في الحياة،
وأهميته في تحقيق السعادة للفرد والأسرة والمجتمع والأمة والإنسانية، فإن النبي صلى
الله عليه وسلم سعى لتحقيقه بوسائل متعددة، وربّى أصحابه وأمته على هذه النفسية
الراقية، وحث على إشاعته بين الناس، ببناء كل العلاقات على أساس من الحب؛ حبّ
الله، وحب الخير، وحب الصلاح والصالحين، وحب الإنسانية.
وبعبارة أخرى فإن نهجه صلى الله عليه وسلم،
وحياته كلها دعوة للتحابّ. روى مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه عن أبي هريرة -رضي
الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَا تَدْخُلُونَ
الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا
أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ
بَيْنَكُمْ)(14) وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أيضاً عن النبي -صلى الله عليه
وسلم- قال: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا
ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ
قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ
اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ
مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ
بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ،
وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)(15). فمن الناس الذين
يصلون إلى تلك المرتبة العالية يوم القيامة (رَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ)
فاجتمعا على حبه. بمعنى أن سبب اجتماعهما حب الله، واستمرا على ذلك حتى قضى الله
أمراً كان مفعولاً فتفرّقا بموت أو سفر أو غيره، وهما صادقان في حبّ كل واحد منهما
صاحبه لله تعالى، حال اجتماعهما وافتراقهما. ليس هذا فحسب، بل إن شرائع الإسلام
وأحكامه كلها دعوة للمحبة، فالزكاة مثلاً التي هي قرينة الصلاة وجوباً وأهمية، فإن
المستفيد منها وهو الفقير يشعر بأنه ليس وحده في المجتمع، وإنما هو فرد في جماعة
تكفله ولا تنساه، ومن هنا تتلاشى الأحقاد وتنبت المحبة والألفة، وهكذا تكون
الجماعة كالجسد الواحد، الغني يدفع من مال الله الذي عنده فيجد البركة والنماء،
والفقير يتناول رزق ربه فيسدّ حاجته، والمجتمع ينقى ويطهر من الأمراض الخبيثة.
ولهذا فإن حب الخير للناس مما يقوم عليه ويتقوى
به إيمان المؤمن، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ
حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)(16)، ويقول النبي صلى الله عليه
وسلم: (إِنَّ رَجُلًا لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ وَكَانَ يُدَايِنُ النَّاسَ
فَيَقُولُ لِرَسُولِهِ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ وَتَجَاوَزْ
لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَلَمَّا هَلَكَ قَالَ اللَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنَّهُ
كَانَ لِي غُلَامٌ وَكُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ فَإِذَا بَعَثْتُهُ
لِيَتَقَاضَى قُلْتُ لَهُ خُذْ مَا تَيَسَّرَ وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ وَتَجَاوَزْ لَعَلَّ
اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْكَ)(17).
فهذه العلاقة بين المؤمن والمؤمن يحرص عليها
النبي صلى الله عليه وسلم لأنها تهب الجماعة المسلمة قوتها وصلابتها؛ فلا تهون ولا
تتفتت ولا تعبث بها الفتن، فيقول صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ
لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا)(18)، ويقول صلى الله عليه
وسلم: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ
مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ
بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)(19)، فإن كل مؤمن هو لبنة في بناء المجتمع، يدخل الإيمان
بينه وبين غيره كالمادة اللاصقة الجاذبة الموضوعة بين لبنات البناء، فيشتد البناء
ويقوى وترتفع هامته، ثم إن من فيض الإيمان تنبعث الرحمة الهادية، التي ترجو ما عند
الله، وإنه لحق، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الْمُسْلِمُ أَخُو
الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ
كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ
اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ
مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)(20). ذلك هو الحب الذي
جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لبناء المجتمع عليه.
النبيّ
الإنسان المحبّ:
وإذا التفتنا إلى حياته الخاصة صلى الله عليه
وسلم في بيته ومع أولاده وأهل خاصته وجدناه المثل الأعلى في الحب والود والشفقة.
فكان صلى الله عليه وسلم يحب الأطفال، ويقبّل أولاده، ويعطف عليهم، ويأمر
بالمساواة في المحبة بينهم، كما كان يحب أهله وزوجاته، وهو القائل: (حُبِّبَ
إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي
الصَّلَاةِ)(21).
لقد كان صلى الله عليه وسلم يحترم ويود ويحب
زوجاته، ويقدر مشاعرهن بطريقة لا يرقى إليها أي من المحبين الذين ادّعوا أو أحبّوا
أهليهم وأولادهم. لقد كان قدوة، بل خير قدوة صلى الله عليه وسلم، فقد كان يعيش بين
أزواجه رجلاً ذا قلب وعاطفة ووجدان، حياته مليئة بالحب، والحنان، والمودة،
والرحمة.
ومما يذكر أنه كان مع عائشة -رضي الله عنها-
التي يحبها كثيراً، يراها تشرب من الكأس فيحرص كل الحرص على أن يشرب من الجهة التي
شربت منها(22)، وهي صورة يندر أن يقوم به مدّعو الحب بيننا، إنه حب النبي محمد صلى
الله عليه وسلم للصدِّيقة بنت الصديق رضي الله عنهما.
ومِن تودّده لها وزيادة في حبها أنه كان
يسابقها في وقت الحرب، يطلب من الجيش التقدم لينفرد بأم المؤمنين عائشة ليسابقها
ويعيش معها ذلك الحب الزوجي الراقي.
وفي لحظة شعور امرأة تسأله السيدة عائشة -رضي
الله عنها- وتقول: ما لك تذكر عجوزاً أبدلك الله خيراً منها (تعني نفسها)؟! فيقول
لها: لا والله، ما أبدلني خيراً منها(24)، ويغضب
لذلك، ويبين لها أن حب خديجة لم يفارق قلبه أبداً، ذلك هو الحب الوفي الذي يريد أن
يعلمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه يعلمنا أنه يحب عائشة، ولكنه يحب
أيضاً خديجة -رضي الله عنها- كما يحب زوجاته الأخريات رضي الله عنهن.
محمد
الأب المحب المحتسب:
لقد ابتلي النبي صلى الله عليه وسلم بما لم
يبتل به أحد، ولكنه كان المثل الأعلى في الاحتساب والصبر، وحين مات ابنه إبراهيم
عليه السلام، اهتزت مشاعر الأبوة والحب، فيبكي ويحزن ويقول: (إِنَّ الْعَيْنَ
تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا
وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ)(26). يعلمنا عليه الصلاة
والسلام كيف يكون الحب، وكيف يكون الحزن على فراق الحبيب، ولكن كل ذلك في حدود ما
يرضي الله تعالى. إنهما حب وحزن نابعان من أب نبي بشر تتجلى فيه أعلى معاني الحب
والرحمة والشفقة على فراق الأحبة، ولكنه حب لا ينسيه أنه مبلّغ عن الله، وأنّ
أمانة الرسالة أعظم الأمانات. ولذلك حينما كسفت الشمس وظن بعض الناس أنها لموت
إبراهيم، قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ
آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّ
اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ)(27).
ويمتد حبه لأمته صلى الله عليه وسلم التي كان
يبكي من أجلها في هدأة الليل، فقد كان يقف في سكون الليل وظلمته الحالكة ليصلي
صلاة التائب على الرغم من أنه غُفر له ما تقدم وما تأخر من ذنبه، وكان في ذلك
الليل يتذكر أمته ويسكب عليها الدموع، ويسأل الله: "أمتي، أمتي".
نبي
السلم والسلام:
إذا كان خلقا الرحمة والمحبة عند رسول الله صلى
الله عليه وسلم قد كملا وتكاملا فيما بينهما، وبلغا درجة الكمال في شخصه صلى الله
عليه وسلم، واتصفت بهما تصرفاته وأقواله كلها، وشملت كل جوانب الحياة، ومختلف
مستويات الخطاب والممارسة، وشتى أصناف الناس؛ فإن السلم والسلام في شخصه صلى الله
عليه وسلم وفي سيرته ودعوته والدين الذي جاء به علامة بارزة، بل أن المتأمل في
شخصية ودعوة وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليدرك أن السلم والسلام – بلغة
العصر- كان مشروعاً استراتيجياً للنبي صلى الله عليه وسلم شاملاً للأشخاص والأزمان
والأمكنة، ولم يكن إجراءات مرحلية، أو تخطيطاً وقتياً لتفادي مشكلات معينة، بل لكي
يدخل الناس ﴿فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208]، ويعمّ السلام بأن ﴿يَكُونَ
الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 109] الذي هو دين الإسلام والسلم، ذلك أن ﴿الدِّينَ
عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، ورب العباد يدعو إلى السلام، قال
تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: 25].
السلم
مبدأ ومسلك وغاية:
إنّ الإسلام دين السلم وشعاره السلام، فبعد أن
كان عرب الجاهلية يشعلون الحروب لعقود من الزمن من أجل ناقة أو نيل ثأر ويهدرون في
ذلك الدماء، جاء الإسلام وأخذ يدعوهم إلى السلم والوئام، ونبذ الحروب والشحناء
التي لا تولّد سوى الدمار والفساد.
ولذلك فإن القرآن جعل غايته أن يدخل الناس في
السلم جميعاً، فنادى المؤمنين بأن يتخذوه غاية عامة، قال الله -عز وجل- مخاطباً
أهل الإيمان: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً
وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
[البقرة: 208]، بل إن من صفات المؤمنين أنهم يردون على جهالات الآخرين بالسلم،
فيكون السلم هنا مسلكاً لردّ عدوان الجاهلين، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ
الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ
قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]. ذلك أن مسلك السلم لا يستوي ومسلك العنف، ومسلك
العفو لا يستوي ومسلك الانتقام، ومسلك اللين لا يستوي ومسلك الشدة والغلظة، ولذا
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ويوصي دائماً أصحابه بالدفع بالتي هي أحسن،
والإحسان إلى المسيئين، مصداقاً لما قال تعالى موصياً سيد الخلق أجمعين صلى الله
عليه وسلم: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي
هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ
حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]، كما أنهم دعوا إلى الجنوح للسلم فقال تعالى: ﴿وَإِنْ
جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: 61]، وشجع القرآن المسلمين على التزام السلم –
وهذا وقت الحرب- وطالبهم بتلمّس السلم إن وجدوا رداً إيجابياً من الطرف الآخر،
فقال تعالى: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ
السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 90].
لا
إكراه في الدين: سلم دون تلفيق
الإسلام رسالته واضحة بيّنة، والنبي صلى الله
عليه وسلم كان واضحاً بيّناً وسيبقى دينه واضحاً بيّناً للعالمين، بأن هناك فرقاً
بين احترام حرية الآخرين في اختيار ما يعتقدون، وبين التلفيق بين الأديان، أو قبول
أديان الضلالة.
فالإسلام متناسق وواضح ومنسجم مع منطقه الداخلي
ومع الحقيقة الموضوعية، ولذلك فإنه لا يقبل التلفيق بين الأديان، فالإسلام هو
الحقيقة المطلقة، ولا يقبل بحال من الأحوال أن يختلط بالعقائد الأخرى، كما أن
التأكيد على التمايز بين الحق والضلال واضح في منهجه صلى الله عليه وسلم، حيث يقول
تعالى:﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. وَلَا
أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ. وَلَا
أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾[سورة
الكافرون]، ولكن في الوقت نفسه لا يصح بحال من الأحوال إجبار وإكراه الآخرين على
قبوله، ولذلك بيّن القرآن الكريم أن ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ
الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ﴾ [البقرة: 256].
بل إن القرآن نفسه تضمن آيات كثيرة تدعو إلى
احترام عقائد الآخرين حتّى ولو كانت فاسدة وغير صحيحة، وذلك لسماحة الإسلام حتى في
مقابل أصحاب العقائد الضالّة التي لا قداسة لها في نظر الإسلام. فأمرنا الله تعالى
بعدم إيذاء الكافرين وإثارتهم وإهانة دينهم أو أديانهم عبر سبّ آلهتهم فقال
سبحانه: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا
اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]، بل دعانا إلى اتخاذ مسلك آخر
أكثر إيجابية ومبدئية، وهو منهج الإحسان والدعوة بالحسنى بدل السبّ والشتم
والشحناء؛ لأنه مناقض لمنهج الإسلام وغايته في تحقيق السلم، فقال تعالى: ﴿ادْعُ
إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125].
صفح
من أجل السلم
من أجل تحقيق رسالته في السلم فإن النبي صلى
الله عليه وسلم يعلمنا مسلكاً مهماً آخر لتحقيق السلم، وذلك من خلال حثّنا على
الصّفح وغضّ النظر عن إساءة الآخرين. ووضع القرآن الكريم لذلك آيات بينات تُعدّ
دستورا خالداً يختلف عن تلك المقولات الجوفاء التي تترنم بها بعض الأديان، يقول
تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ﴾ [التغابن: 14]، وقال سبحانه:﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا
تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 22]،
وقال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
[المائدة: 13]، وقال سبحانه: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 89]، وقال تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ
اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: 109]. هذا بالإضافة إلى الآيات التي تدل على الغفران
والغضّ عن السيئة والمحبة والإحسان وما أشبه.
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم نموذجاً وقدوة في الصفح والعفو من أجل السلم مبدأ وغاية، لقد كانت المرحلة المكية من الدعوة النبوية فترة عصيبة أُوذي فيها النبي صلى الله عليه وسلم في شخصه الكريم، وفي أهل بيته وفي صحابته، ولكنه لم يكن يرد الإيذاء بالإيذاء، بل كان يردّ رداً جميلاً، فحين كان أبو لهب يرميه بالحجارة، وأم جميل تلقي في طريقه الأشواك، وبعض الكفار يلقي سَلَى الشاة على رأسه وهو قائم يصلي عند الكعبة، وبعضهم يبصق في وجهه الطاهر الشريف، وأبو جهل يشج رأسه وغيرها، كان صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون)، ثم إنه لما انتصر على قوى الكفر والطاغوت ورجع إلى مكة فاتحاً كان أرحم بأهلها من الأم بولدها، وحقق السلم المطلق فلم تُرَقْ قطرةُ دم في فتح مكة، ولما قال بعض أصحابه: "اليوم يوم الملحمة" قال: (بل اليوم يوم المرحمة)، وخاطب أهل مكة قائلاً: (ما تظنون أني فاعل بكم)، وقد أقدره الله عليهم، قالوا: "أخ كريم وابن أخ كريم"، فقال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)(28)، وكان يوماً سجله التاريخ في تحقيق الفتح بالسلم، فهل هناك سلم مثل سلم محمد صلى الله عليه وسلم؟.
الدكتور بدران بن لحسن
ــــــــــــ
تخريج
الأحاديث:
(1)
رواه أحمد في مسنده، كتاب باقي مسند الأنصار، رقم: 24139.
(2)
رواه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها،
رقم: 4704.
(3)
رواه الترمذي في سننه، كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، رقم: 1082.
(4)
رواه النسائي في سننه، كتاب الغسل والتيمم، باب الرخصة في ذلك، رقم: 411.
(5)
انظر: صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي، رقم: 667.
(6)
رواه أحمد في مسنده، كتاب باقي مسند المكثرين، رقم: 12894.
(7)
رواه أحمد في مسنده، كتاب باقي مسند الأنصار، باب حديث السيدة عائشة، رقم: 22906.
(8)
رواه الترمذي في سننه، كتاب البر والصلة عن رسول الله، باب ما جاء في رحمة الناس،
رقم: 1847.
(9)
رواه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، رقم: 429.
(10)
ابن هشام، السيرة النبوية، 3/103
(11)
رواه البخاري، المغازي؛ ومسلم، الجهاد.
(12)
رواه البخاري، كتاب الأنبياء؛ مسلم، الجهاد.
(13)
ابن هشام، السيرة النبوية، 4/55.
(14)
رواه مسلم، كتاب الإيمان.
(15)
متفق عليه.
(16)
رواه مسلم، كتاب الإيمان.
(17)
رواه ابن حبان في صحيحه، والنسائي في السنن الكبرى.
(18)
رواه البخاري، كتاب الأدب؛ ومسلم، كتاب البر والصلة.
(19)
رواه البخاري، كتاب الأدب.
(20)
رواه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه.
(21)
رواه أحمد في مسنده، كتاب باقي مسند المكثرين.
(22)
رواه مسلم، كتاب الحيض.
(24)
انظر صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي؛ وأحمد في المسند.
(26) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب
قول النبي إنا بك لمحزونون، رقم: 1220.
(27)
رواه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب قول النبي يخوف الله عباده بالكسوف، رقم:
990.
(28) سبق تخريجه..

شرح أحاديث أصول الإسلام (الحلقة الأولى)

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدّين، وبعد: فإن الله بعث رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون. وقد أيَّدَ الله رسولَه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالآيات والأدلّة والبراهين على صدقه، وآتاه القرآن الكريم ومثله معه وهي سنّته، وفتح... إقرأ المزيد
الشيخ أبو سعيد بلعيد الجزائري l مشاهدات :2958 l هدي النبوة
أدب الحوار وأفاقه في السنة المطهرة

الحمد لله جعل الحوار أسلوباً ومنهجاً مرضياًللوصول إلى الحق الذي يرضاه، والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى الذي سلك طريق الحوار في دعوته، وسنّ بذلك منهجاً للدعاة من بعده، والصلاة موصلة إلى كلّ من اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد.. * فالحوار ظاهرة إنسانية عالمية، سنة إلهية نظراً لتفاوت البشر في عقولهم وأفهامهم وأمزجتهم،قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ... إقرأ المزيد
د: عبد السلام لوح l مشاهدات :2291 l هدي النبوة
دُرُوسٌ وَعِبَرٌ مِنْ حَادِثَةِ " صُلْحِ الحُدَيْب

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد: فإنّ كثيرا من أحداث سيرة رسول الله صلّى الله عليه وسلم العظيمة كانت تبدأ برؤيا في المنام .. فالوحي بدأ برؤيا .. وغزوة بَدْرٍ بدأت برؤيا .. وغزوة أحد بدأت برؤيا .. وكذلك حادثة الحديبيّة كانت بدايتُها رؤيا .. ففي أوّل ليلة من ليالي شهر ذي القعدة أَرَى اللهُ تعالى نبيَّه صلّى الله... إقرأ المزيد
عبد الحليم توميات l مشاهدات :1803 l هدي النبوة
المختصر المعين في أحكام المسح على الخفين

الحمد لله الذي لم يجعل على المتقين من حرج فيالدين،وأراد بهم اليسر ولم يرد به العسر وهو أرحم الراحمين،والصلاة والسلام على نبي الرحمة ،المبعوث بالحنيفية السمحة السهلة،المرفوع عنها الإصر والأغلال التي كانت على الغابرين،سيدنا محمد خاتم النبيين،وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:فان مسألة المسح على الخفين من المسائل المعروفة المشهورة عند الفقهاء،نص عليها الكتاب والسنة وهي مذهب سلف الأمة من الصحابة والتابعين،ومن تبعهم بإحسان... إقرأ المزيد
بقلم : أم جمانة نوال غوايزي l مشاهدات :2243 l هدي النبوة
محمد صلى الله عليه وسلم الإنسان

أعداء الرسول -صلى الله عليه وسلم- سواء من الكفار أو من أدعياء الإسلام من المعاصرين في غيهم القديم، فقد كان سلفهم ممن هلكوا يتهمونه بما ليس فيه، فقالوا عنه كذاب، شاعر، ساحر...، بل لم يسلم عرضه الشريف من الافتراء فاتهم المنافقون زوجته أم المؤمنين عائشة بالفرية الكبرى، التي برأها الله منها من فوق سبع سموات، ولا يزال المسلسل الطويل من الظلم لأعظم خلق الله ينهمر،... إقرأ المزيد
يزيد حمزاوي l مشاهدات :3873 l هدي النبوة
من شعارات النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الحمد لله ربّ العالمين، وأفضل الصّلاة والتّسليم على أشرف المرسلين، محمّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد: فتعالوا بنا هذه المرّة – معاشِر القرّاء – إلى مكّة.. إلى تلك البقعة الّتي يعيش بها أحبّ خلق الله، ومن تبِعه من صفوة عباد الله، وهم تحت وطأة أعداء الله.. تعالوا بنا لنقف مع هذه الحادثة. روى البخاري في "التّاريخ الكبير" (7/51)، والبيهقيّ في "الدّلائل" (2/186) عَنْ عَقِيل بْن أبِي... إقرأ المزيد
عبد الحليم توميات l مشاهدات :2936 l هدي النبوة
تخريج أحاديث:المصطلحات الأربعة في القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله الذي جعل لنا في كل عصر؛ من علماءنا؛ منارات للهدى؛ وجعلهم ورثة علم النبوة لكي بهم يقتدى؛ وفضلهم في كتابه؛ وشرفهم بحمله؛ وأثنى عليهم فقال: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) الزمر: ٩ سؤال تقرير؛ ليس عنهم يسأل المولى وقد أحاط بكل شيء خبرا؛ ثمّ حذرهم من كتمانه وطيه؛ فأخبر على لسان رسوله؛ القائل: "من سئل عن علم فكتمه..."؛ أنّه... إقرأ المزيد
للشيخ الألباني و علق عليها بن يوسف العمري l مشاهدات :2430 l هدي النبوة
التبيان فيما اشتهر من أحاديث ضعيفة وموضوعة في الص

هناك جُملة من الأحاديث المشتهرة على ألسنة الناس في فضل الصيام ورمضان، ومن بينهم أئمّةُ مساجدَ وخطباءُ منابرَ مع أنّها ضعيفة أو موضوعة مكذوبة. ومن المعلوم أنّ الحديث الضعيف والموضوع لا يُحْتَجّ بهما ولا يُسْتَنَدُ عليهما في مسائل العقيدة وأحكام الحلال والحرام، وإن كان الحديثُ الضعيف ضعفاً غيرَ شديد يجوز العملُ به في فضائل الأعمال الثابتةِ مشروعيَّتُها. وهو ما ذهب إليه جماهير العلماء بشرط أن تُروى... إقرأ المزيد
اللجنة العلمية للمجلة l مشاهدات :4133 l هدي النبوة
النبراس في شرح وصية النبي عليه الصلاة و السلام

عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قـال:كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال:((يا غـلام إني أعلمك كلمات:احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك إذا سـألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمـة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قـد كتبه الله لك، وان اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا... إقرأ المزيد
أبو معاذ السبتي ابن العربي l مشاهدات :3874 l هدي النبوة
سبيل النصر والتمكين

قال تميم الداري رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : (( ليبلغنّ هذا الأمر، ( أي هذا الدين ) ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر و لا وبر، إلا أدخله الله هذا الدين، بِعِزﱢ عزيز أو بِذُلِّ ذليل، عزًّا يُعِزُّ الله به الإسلام و ذُلاّ يُذِلّ به الكفر.) و كان تميم الداري يقول: قد عرفت... إقرأ المزيد
أحمد بن علي عماني l مشاهدات :2386 l هدي النبوة




















