|
كتـب المقال اللجنة العلمية للمجلة
|
|
الثلاثاء, 21 أكتوبر 2008 14:27 |
|
ظهرت في بعض الفترات من تاريخنا الإسلامي فرق وطوائف منحرفة أنكرت السنة والاحتجاج بها، فمنهم من أنكر السنة النبوية صراحة ودعا إلى نبذها بالكلية , زعماً منهم أنه لا حاجة إليها , وأن في القرآن ما يغني عنها وهم ما يطلق عليهم بالقرآنيين، وفريق آخر رأى الحجية في نوع منها أي المتواتر دون غيره من الآحاد , وكلا الأمرين بلا شك انحراف عن جادة الطريق.
ولقد كان أول من تعرض لهذه المذاهب المنحرفة وردَّ على أصحابها ودحض شبهاتهم هو الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء حيث عقد فصلاً خاصاً في كتاب " الأم " ذكر فيه مناظرة بينه وبين بعض من يرون ردَّ السنة كلِّها، كما عقد في كتاب " الرسالة "فصلاً طويلاً في حجية خبر الآحاد
.
وكادت تلك الطوائف التي أنكرت السنة جملة وطعنت فيها أن تنقرض، حتى ظهرت فئة من المستشرقين الذين لم يألوا جهدا في محاولة القضاء على الإسلام وهدم أصوله وأركانه ولقد بحث هؤلاء المستشرقون في كل جوانب الإسلام , فلم يغب عنهم أهمية السنة النبوية من حيث أنها المصدر التشريعي الثاني مع القرآن الكريم، وفيها توضيحه وبيانه، ولذا تناولوها بالطعن والتشويه وتلفيق الشبهات حولها، فبحث هؤلاء في كل ما يتصل بالإسلام من تاريخ وفقه وتفسير وحديث وأدب وحضارة حتى غزت بحوثهم العالم الإسلامي في مؤسساته الفكرية والتربوية ومناهج التعليم،
وكان العديد من المسلمين قد تتلمذوا على أيدي أولئك المستشرقين وقد نجح كثير من هؤلاء في التأثير على عقول بعض المسلمين، فانخدعوا بكتاباتهم ودراساتهم حول الإسلام، وهماً منهم أنّها قامت على الموضوعية والحياد والإنصاف والتجرد في البحث العلمي، ومن ثم اقتفوا آثارهم، ورددوا دعاواهم التي لم يقيموا عليها أي بينة بل زادوا عليها من أنفسهم، وكل هؤلاء وأولئك نفثوا سمومهم باسم البحث والمعرفة وحرية النقد وهم أبعد ما يكونوا عن العلم الصحيح والبحث القويم والنقد النزيه وبذلك جاءت كتابات هذا الفريق من تلامذة المستشرقين حول الإسلام عموماً والحديث النبوي خصوصاً لا تقلٌّ عن كتابات المستشرقين في إثارة الشبه والتشكيك في مصادر الشريعة الإسلامية .
وسنعرج بإذن الله تعالى في هذا الموضوع على تعريف السنة ثم نتحدث عن مفهوم الإستشراق وأهدافه ثم نبين بعض الحقائق المهمة حولهما.
التعريف بالسنة النبوية
أولاً : السنة في اللغة، هي: الطريقة، وهي السيرة حميدة كانت أو غير حميدة. ومن ذلك قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: " من سنّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " رواه مسلم في كتاب الزكاة.
ثانياً : السنة في الاصطلاح : هناك تعريف السنة النبوية عند المحدِّثين، وهناك تعريف السنة عند الأصوليين، وهناك تعريف السنة عند الفقهاء.
فعلماء الحديث أو المحدِّثون نقلوا كل ما يتصل به - صلى الله عليه وسلم - من أقوال وأفعال وتقريرات، سواء أثبت ذلك حكما شرعياً أم لم يثبت. كما نقلوا عنه - عليه الصلاة والسلام - أخباره وشمائله وقصصه وصفاته خَلْقاً وخُلُقاً. وهذا ما قررته كتب الحديث، وأنتجته مجهودات المحدثين. ومن هنا فقد عرفوا السنة بأنها: " كل ما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير، أو صفة خَلْقِية أو خُلُقية، سواء كان ذلك قبل البعثة أو بعدها ".
وأما علماء الأصول فاهتموا من السنة بأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وتقريراته التي تستقي منها الأحكام على أفعال العباد من حيث الوجوب والحرمة والإباحة، وغير ذلك .. ولذلك عرفوا السنة بأنها:" ما نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير"
وأما الفقهاء فالسنة عندهم هي : " ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - أمراً غير جازم". أو " ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير افتراض ولا وجوب". أو " ما في فعله ثواب، وفي تركه ملامة وعتاب لا عقاب ". وهي تقابل الواجب وغيره من الأحكام الخمسة لدى الفقهاء.
وقد تطلق السنة عند بعض العلماء على ما يقابل البدعة، فيقال: فلان على سنة إذا كان يعمل على وفق ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقال: فلان على بدعة، إذا عمل على خلاف ذلك.
الإستشراق مفهومه و أهداف:
الإستشراق هو عبارة عن اتجاه فكري يعنى بدراسة حضارة الأمم الشرقية بصفة عامة وحضارة الإسلام والعرب بصفة خاصة، وقد كان مقتصراً في بداية ظهوره على دراسة الإسلام واللغة العربية فقط، ثم اتسع ليشمل دراسة الشرق كله، بلغاته وتقاليده وآدابه فالمستشرقون إذن هم علماء الغرب الذين اعتنوا عناية كبيرة بدراسة الإسلام واللغة العربية، ولغات الشرق وأديانه وآدابه. ولقد كانت الأبحاث والكتب والدراسات التي كتبها هؤلاء المستشرقون عن الإسلام كبيرة جدا ، و كانوا يهدفون من وراء هذه الكتب والأبحاث و الدراسات إلى ما يلي ما يلي:
أولا : حماية الإنسان الغربي من أن يرى نور الإسلام، فيؤمن به، ويحمل رايته، ويجاهد في سبيله، كما كان من النصارى في الشام، ومصر وأسبانيا من قبل، حين دخل الإسلام هذه الأصقاع، فدخل أهلها في دين الله أفواجا، وصاروا من دعاة هذا الدين الحنيف، وحماته والمنافحين عنه. بل أعجب من ذلك أيضًا أن دخلوا في العربية دخولا غريبًا، وصار لسانهم لسانها، وخرج من أصلابهم كثرة من العلماء الكبار؛ وذلك كما ذكر المؤرخ محمود محمد شاكر في:( رسالة في الطريق إلى ثقافتنا).
ثانيا : معرفة الشرق، ودراسته، أرضه، ومياهه وطقسه، وجباله وأنهاره، وزروعه وثماره، وأهله، ورجاله، وعلمه وعلمائه ودينه، وعقائده وعاداته، وتقاليده، ولغاته و ... و ... كل ذلك لكي يعرف كيف يصل إليه، فقد ظلت دار الإسلام مرهوبة مخوفة، لم يستطع أحد اختراقها لعدة قرون، وكانت المناوشات، والاحتكاكات على الثغور والأطراف تحسم دائمًا لصالح الإسلام والمسلمين وترجع قوى الشر مقهورة مدحورة.
ولكنها ما فتئت هذه القوى تدبر وتقدر، وتحاول الالتفاف حول ديار الإسلام ، لما استعصى عليها اختراقها ، وكان الإستشراق هو رائدها الذي يرتاد لها الطريق وهذا الأمر باعترافهم هم بأنفسهم؛ فهذا المستشرق الأمريكي (روبرت بين) يقول في مقدمه كتابه (السيف المقدس) : (إن لدينا أسبابا قوية لدراسة العرب، والتعرف على طريقتهم، فقد غزوا الدنيا كلها من قبل، وقد يفعلونها مرة ثانيـة، إن النار التي أشعلها محمد لا تزال تشتعل بقوة، وهناك ألف سبب للاعتقاد بأنها شعلة غير قابلة للانطفاء).
ويقول الأمير (كايتاني) ذلك الأمير الإيطالي الذي (جهز على نفقته الخاصة ثلاث قوافل، لترتاد مناطق الفتح الإسلامي، وترسمها جغرافيا، وجمع كل الدوريات والأخبار الواردة عن حركة الفتح في اللغات القديمة .. واستخلص تاريخ الفتح في تسعة مجلدات ضخمة بعنوان (حوليات الإسلام) بلغ بها سنة أربعين هجرية .. قال هذا الأمير الذي استهلك كل ثروته الطائلة في هذه الأبحاث، حتى أفلس تماما، قال في مقدمة كتابه (حوليات الإسلام) هذه : (إنه إنما يريد بهذا العمل أن يفهم سرَّ المصيبة الإسلامية التي انتزعت من الدين المسيحي ملايين من الأتباع في شتى أنحاء الأرض، ما يزالون حتى اليوم يؤمنون برسالة محمد، ويدينون به نبيًّا ورسولاً).
فهو بهذا يعلن عن هدفه بغاية الصراحة والوضوح : (أن يفهم سر المصيبة الإسلامية)، أي سر الإسلام ومصدر قوته.
ويكتب المستشرق الألماني (باول شمتز) كتابًا يتناول فيه عناصر القوة الكامنة في العالم الإسلامي، والإسلام، فيسمي هذا الكتاب (الإسلام قوة الغد العالميـة) فلماذا كتب هــذا الكتاب ، وقـام بهذه الدراسة ؟ إنه لا يتورع أن يعلن صراحة وبدون مواربة عن هدفه، الذي هو تبصير أوروبا الغافلة عن هذه القوة التي هي: (صوت نذير لأوروبا، وهتاف يجوب آفاقها، يدعو إلى التجمع والتساند الأوروبي لمواجهة هذا العملاق، الذي بدأ يصحو، وينفض النوم عن عينيه) .
يتضح من خلال ما تقدم مفهوم الإستشراق وبعض أهداف هؤلاء المستشرقين في طعنهم في الإسلام وشخص النبي صلى الله عليه و سلم و طعنهم في السنة النبوية المشرفة.
حقائق مهمة:
أولا : حول السنة النبوية
1 . أن الأمة الإسلامية قد عُنِيَت بصيانة الحديث النبوي منذ أول عهدها بالرواية، وأن العلماء لم يدخروا جهدا في سبيل هذا الأمر.
2. أن الهدف الجليل الذي نشأ من أجله علم مصطلح الحديث، أو علوم الحديث، وهو صيانة الحديث النبوي الذي هو أعظم المصادر الإسلامية بعد كتاب الله تعالى .
3 . أن قواعد علوم الحديث قواعد نقد شاملة تدرس جوانب الحديث كلها دراسة تامة دقيقة.
4 . أن جهود المحدثين في حقل تطبيق المنهج النقدي قد بلغت الغاية في الوصول إلى هدف صيانة الحديث النبوي وهذه تصانيفهم الكثيرة في أنواع الحديث ما اختص منها بالصحيح، أو الضعيف أو اختص بالموضوع ، أو بنوع مستقل من علوم الحديث الأخرى كالمرسل والمدرج وغيرها , وهذه التصانيف برهان عملي على مدى ما بلغوه من العناية في تطبيق هذا المنهج حتى أدّوْا إلينا تراث النبوة صافياً نقيا ً.
ثانيا : حول المستشرقين ومنهجهم
1 . اعتمادهم على نصوص مفردة متقطعة عما ورد في موضوعها مما يوضح المراد منها ويبينه، وذلك كثير في أبحاثهم ومنه استدلال المستشرق المجري تسيهر على أن تصنيف الحديث تأخر إلى القرن الثالث بما ورد عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال في سعيد بن أبي عَرُوبَة ( 156هـ) : ( هو أول من صنف الأبواب بالبصرة... لم يكن له كتاب إنما كان يحفظ)، فاستدل بقوله: "لم يكن له كتاب" على أنه لم يؤلف كتاباً" مع أن المحدثين يستعملون هذا في الدلالة على أن المحدث حافظ متين الحفظ لا يعتمد على الكتاب في روايته للحديث وهذا لا يدل على أن المحدث لم يصنف كتاباً من محفوظاته، وهو يصرح في أول كلمته بأنه صنف ، والشواهد على ذلك كثيرة .
2 . أنهم يعولون على مصادر ليست في مستوى البحث العلمي، مثل كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصبهاني، وهو ليس كتاباً علمياً، ولا كتاب حديث، إنما يعتمد عليه في الأدب والفكاهات.
3 . وضع النصوص في غير موضعها، وتحميلها مالا تطيقه ألفاظها ولا يستمد من معانيها.
4 . أنهم يوردون مقدمات جزئية ضعيفة ثم يبنون عليها نتائج ضخمة فضفاضة لا تناسب تلك المقدمات ولا تنتج منها .
5 . إغفال الحقائق التي تخالف استنتاجاتهم وتبطلها.
وأخيراً أحمد الله العلي القدير جل في علاه و أثني عليه بما هو أهله و أصلي على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين بالحق بشيرا و نذيرا و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا .
 |