9:31 7:53 4:35 12:46 3:54
 
خطأ
  • XML Parsing Error at 1:337. Error 9: Invalid character
telmssan
 إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وبعد:
فالماضي عماد الحاضر، ولا يمكن لأمة أن تستقل في عيشها منقطعة الصلة عن ماضيها ولا أن تحي بمعزل عن تاريخها.
وقد حث الله تعالى على التعلق بالتراث الإنساني وأكد التحريض عليه فقال عز وجل: لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون.
وقال تعالى: وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك.
فبالتراث يرفد الماضي الحاضر بتفاعل متجدد مع أحداث كل جيل، وكل زمان في عرض دائم ومستمر للتاريخ حيث تتجلى العبر وتنير العظات وتشرق آيات الهدى لتتلاقى المثل والقيم في صعيد الكرامة ما يدفع إلى التطور الناجح والازدهار الصالح.
ومنذ الماضي وهذه الأمة تحظى بخصوصيات كثيرة منها العلوم التي حفظ الله بها الدين وقيض لها رجالا حفظ بهم ذكره وصان رسالته، فلم يتركوا ساعة من ليل أو نهار إلا وأمضوها بالعلم والاستنباط وملؤوا بعلومهم ومصنفاتهم شتى الفنون ومختلف المعارف حتى وصفوا بنقلة الدين وحفظته وحملة الشريعة ودعامة الدعوة وأركان الرسالة التي وصلتنا كاملة غير منقوصة كما أنزلها الله تعالى لا اعوجاج فيها ولا انحراف.
ومن ثم كان واجبا علينا معرفة سيرتهم والوقوف على ثمرات أفكارهم وآرائهم خاصة وواقع هذه الأمة كغيرها من الأمم في عهدنا اليوم تبحث عن ذاتها ومقوماتها الحضارية، تلتمس الأسباب والوسائل وتتحسس بالحوافز التي حققت لها الأمجاد الفكرية الحضارية المؤصلة بناؤها على الدين الإسلامي الحنيف الذي هو الهضبة المستقرة التي ارتفعت بنا عن أغوار الماضي، ولن يعلو لنا بناء مستقر إلا عليها.
ولا يخفى أن الدراسة التاريخية للأعلام تتطلب التعرف على بلدانهم وأقاليمهم ومن ثم على نتائجهم العلمية ومناهجهم الفكرية وجوانب الإبداع عندهم ومواهبهم وأسرار عبقريتهم ضمن منظور علمي عال، وسط الأحداث المحيطة بهم والظروف المعايشة مع إظهار الأثر الذي خلفوه في جيلهم ومن بعدهم.
فكان الدافع لي بالدرجة الأولى هو التعريف بأمجاد الماضي وأعلام الجزائر للوقوف على أصالة التراث الجزائري خصوصا وإحياء التراث الإسلامي عموما  وما تركه أسلافنا العلماء عبر التاريخ من ذخائر التراث الإسلامي، فكم من طالب علم يعرف الحافظ ابن حجر لكن لا يعلم أن من شيوخه جزائري من مشدالة، ويعرف ابن البر وابن حزم ولا يدري أن شيخهما في الحديث هو من وهران وهكذا إذا نظرت في تراجم أسلافنا تجد العجب.
هذا وقد عرفت بلادنا ثورة علمية حتى أصبحت بعض مدنها قبلة للعلماء قاطبة من مختلف أقطار الدنيا، وبمناسبة حلول تظاهرة تلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية أعدنا بحمد لله تعالى التعريف بهذه المدينة العريقة وذكرنا تراجم علمائها بشيء من التفصيل والله الهادي لا إله غيره.

تلمسان بكسرتين وسكون الميم وسين مهملة وبعضهم يقول تنمسان بالنون عوض اللام بالمغرب وهما مدينتان متجاورتان مسورتان بينهما رمية حجر إحداهما قديمة والأخرى حديثة والحديثة اختطها الملثمون ملوك المغرب واسمها تافرزت فيها يسكن الجند وأصحاب السلطان وأصناف من الناس واسم القديمة أقادير يسكنها الرعية فهما كالفسطاط والقاهرة من أرض مصر ويكون بتلمسان الخيل الراشدية لها فضل على سائر الخيل وتتخذ النساء بها من الصوف أنواعا من الكنابيش لا توجد في غيرها ومنها إلى وهران مرحلة ويزعم بعضهم أنه البلد الذي أقام به الخضر عليه السلام الجدار المذكور في القرآن وهو خطأ ظاهر.
ومما ينسب للسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى في وصفها ما صورته تلمسان مدينة جمعت بين الصحراء والريف ووضعت في موضع شريف كأنها ملك علما رأسه تاجه وحواليه من الدوحات حشمه وأعلاجه عبادها يدها وكهفها كفها وزنتها زيانها وعينها أعيانها هواها المقصور بها فريد وهواؤها الممدود صحيح عتيد وماؤها برود صريد حجبتها أيدي القدرة عن الجنوب فلا نحول فيها ولا شحوب خزانة زرع ومسرح ضرع فواكهها عديدة الأنواع ومتاجرها فريدة الانتفاع وبرانسها رقاق رفاع إلا أنها بسبب حب الملوك مطمعة للملوك ومن أجل جمعها الصيد في جوف الفرا مغلوبة للأمرا أهلها ليست عندهم الراحة إلا فيما قبضت عليه الراحة ولا فلاحة إلا لمن أقام رسم الفلاحة ليس بها لسع العقارب إلا فيما بين الأقارب ولا شطارة إلا فيمن ارتكب الخطارة انتهى.
وقال المقري:
وقد كنت بالغرب نويت أن أجمع في شأنها كتابا ممتعا أسميه بأنواء نيسان في أنباء تلمسان وكتبت بعضه ثم حالت بيني وبين ذلك العزم الأقدار.
وقد نسب السمعاني في النسخة المطبوعة تلمسان إلى جهة من قبل الشام غير أن محقق الكتاب قال وجدت في بعض النسخ أنه قال: وهي مدينة من مدن المغرب مشهورة 1/474 فكان حري به إثبات ذلك في النص  المحقق لا في هامشه.
لكن وقع في نسخة الجزري التي هذبها ما أثبته المحقق في النص وقد عقب الجزري في هذا الموضع على السمعاني.
قلت:
ولعل ما غالط السمعاني ما ذكره في ترجمة أبي الحسين خطاب بن أحمد بن خطاب بن خليفة بن عبد الله بن وليد بن أبي الوليد التلمساني قال: كان شاعرا جيد الشعر، ورد بغداد في حدود سنة عشرين وخمسمائة، فظن رحمه الله تعالى أنه من الشام وأن تلمسان هذه قرية من قراها والله أعلم.
وقبل الشروع في سرد علمائها لابد من تذكير بالحالة الفكرية السائدة بها عبر تلك القرون.
يرجع الفضل في تمهيد الحركة الفكرية إلى جهود المرابطين والموحدين في مجالات الثقافة والعلم والأدب الذين فتحوا آفاقا فكرية واسعة أتاحت للحياة العلمية في عهد بني عبد الواد الزيانيين وأثناء السيادة المرينية ونفوذها مزيدا من الازدهار والنضج لما كان عليه الأمر من قبل بقرون خلت.
فقد أولى أمراء وسلاطين هذا العصر اهتماما كبيرا وعناية فائقة بالجانب الثقافي والفكري بتشجيع العلم والنهوض به، واحتلت العلوم الدينية محل الصدارة، ودعم ذلك إحداث الوسائل المعززة للجانب الفكري والثقافي المتمثل في إنشاء المدارس والمعاهد، وإسناد التدريس لمشاهير العلماء، وتعمير المكتبات، والسلوك في تطبيق المناهج التعليمية في المواد المدرسة وفق غايات محددة، وتكريس المجالس العلمية وعقد الندوات والمناظرات فيها وتدعيم الرحلات العلمية، فضلا عن الوظيفة التي قامت بها المساجد في أداء رسالتها وكذا الزوايا والرباطات الأمر الذي كان له أثر طيب وبارز في دفع الحركة الفكرية.
ففي عهد بني عبد الواد الزيانيين وفترة المرينيين أسست بتلمسان خمس مدارس وهي:
مدرسة أبي حمو موسى الأول المتوفي سنة 718 هـ التي بناها في أول عهده  وأوكل التدريس فيها للأخوين ابني الإمام التنسي البرشكي.
المدرسة التاشفينية وهي التي بناها ابن أبي حمو أبو تاشفين الأول المتوفي سنة 737 هـ بجانب المسجد الأعظم فكانت أهم مدرسة في المغرب الأوسط إلى عهد الاحتلال الفرنسي.
مدرسة بقرية العباد وهي التي أسسها أبو الحسن خارج تلمسان أيام النفوذ المريني عليها سنة 748 هـ.
مدرسة أنشئت بجانب مسجد أبي عبد الله الشوذلي الإشبيلي الملقب بالحلوي بناها السلطان أبو عنان فارس المريني سنة 754 هـ.
المدرسة اليعقوبية وهي التي بناها أبو حمو موسى الثاني سنة 765 هـ بجانب ضريح أبيه أبي يعقوب وعميه الأميرين أبي سعيد عثمان وأبي ثابت، وهي المدرسة التي أوكلت لأبي عبد الله الشريف التلمساني التدريس بها ثم خلفه عليها بعد موته ابنه أبو محمد عبد الله الشريف التلمساني المتوفي سنة 792هـ وفيها دفن إبراهيم المصمودي التلمساني المتوفي سنة 803هـ.
ولا يخفى أن إنشاء العديد من المدارس له الأثر البالغ في تخريج أجيال متشبعة بأنواع العلوم وشتى المعارف، فضلا عما تؤديه المساجد والزوايا رسالتها التقليدية المعهودة.
ثم كان في إنشاء المكتبات وتوفير الكتب إحدى الركائز الأساسية للحركة الفكرية بالمغرب الأوسط، وقد كانت تلمسان عاصمة علمية مزدهرة بلغت فيها صناعة الكتب تأليفا ونسخا وجمعا درجة عالية، وقد جرت العادة أن تكون الكتب في المساجد والزوايا والمدارس وأعظمها ما يكون في القصر الملكي  إما إحداث دار مستقلة للكتب بوجه خاص على النحو ما هو معروف حاليا من استخدام أمناء المكتبات وتنظيمها واستقبال الزائرين وتقديم الكتب المرغوب فيها فيرجع الفضل فيه للسلطان أبي عنان المريني.
أما المجالس العلمية التي كانت تعقد على شكل ندوات في القصر الملكي فهي رفيعة المستوى احتضنت جملة من فطاحل العلماء وخيرة الفقهاء على اختلاف مذاهبهم وآرائهم، وقد كان السلطان أبو الحسن المريني يعرف قدر العلماء ويتبع أخبارهم ويلحقهم إلى خواص أهل مجلسه إذا لمس منهم النبوغ الفكري والنضج العلمي، ويجري علهم النفقات والمنح ما يغني ويكفي.
قال ابن مرزوق الخطيب: فاجتمع بحضرته أعلام ثم ضم لهم من كان بتلمسان وأحوازها حين استيلائه عليها ثم استمر على هذا العمل في دخوله إفريقية ولم يزل على هذا إلى أن توفي.
وممن احتوى مجلسه من علماء تلمسان بعد استيلائه عليها:
ابنا الإمام التنسي البرشكي: أبو زيد عبد الرحمن المتوفي سنة 743هـ وأبو  موسى عيسى المتوفي سنة 750هـ.
وحافظ تلمسان ومدرسها ومفتيها: أبو موسى عمران بن موسى المشدالي البجائي النشأة التلمساني الدار المتوفي سنة 745هـ.
والقاضي: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد النور الندرومي المتوفي سنة 749هـ.
وشيخ المغرب في العلوم العقلية وإمام وقته: أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبدري التلمساني المشهور بالآبلي المتوفي سنة 757هـ.
وشيخ قراء المغرب: أبو العباس أحمد بن محمد بن علي الزواوي المتوفي بعد سنة 750هـ له تصانيف في القراءات والعربية نظما ونثرا.
وفخر المغرب قاطبة الإمام الحجة الفاضل: أبو عبد الله محمد بن مرزوق العجيسي التلمساني المشهور بالخطيب والجد والرئيس المتوفي سنة 780هـ.
كل هذا وذاك جعل للرحلة العلمية في تلك الحقبة التاريخية من مميزاتها ومن أبرزها:
رحلة أبي إسحاق إبراهيم بن يخلف التنسي المتوفي سنة 680هـ رحل إلى المشرق مرورا بتونس والقاهرة والتقى بشهاب الدين القرافي وشمس الدين الأصفهاني وسيف الدين الحنفي وابن دقيق العيد وغيرهم ثم عاد إلى مسقط رأسه، واستقدمه السلطان يغمراسن إلى تلمسان.
رحلة أبي علي منصور بن أحمد بن عبد الحق المشدالي الزواوي البجائي المتوفي سنة 731هـ حيث رحل إلى المشرق لمدة فاقت العشرين سنة أخذ عن العز بن عبد السلام وشرف الدين بن السبكي وغيرهما ثم عاد بعلوم كثيرة من أصول وفقه وأدب وغيرها.
رحلة أبي زيد ابن الإمام المتوفي سنة 743هـ وشقيقه أبي موسى المتوفي سنة 750هـ رحلا إلى المشرق فأخذا عن أكابر العلماء في زمانهم واجتمعا بشيخ الإسلام ابن تيمية ثم عادا إلى تلمسان وأقاما يدرسان.
رحلة القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد النور الندرومي المتوفي سنة 749هـ لقي فيها جلال الدين القزويني.
رحلة أبي عبد الله محمد بن إبراهيم العبدري المتوفي سنة 757هـ رحل عند الحصار الطويل على تلمسان وسافر إلى الحجاز مرورا بتونس ومصر والشام ولقي العديد من الأجلة كابن دقيق العيد.
رحلة أبي العباس أحمد بن الحسن المديوني التلمساني المتوفي سنة 768هـ لقي فيها جلال الدين القزويني وغير واحد من أعلام مصر والشام كما أجازه أبو جعفر بن الزبير.
ورحلة أبي عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق العسيجي المتوفي سنة 768هـ دامت رحلته ما يربو عن خمس عشرة سنة وقد سماها: عجالة المستوفر المستجاز في ذكر من سمع من المشايخ دون من أجاز من أئمة المغرب والشام والحجاز.
كما ظهرت في بعض الفترات جملة من المسائل كانت محل مراسلات ومناظرات في شتى العلوم والفنون بين ذوي الاختصاص العلمي في ذلك العصر  فكان منها ما وقع بين أبي زيد بن الإمام وأبي موسى عمران بن موسى المشدالي في مجلس السلطان أبي تاشفين عبد الرحمن بن أبي حمو دارت حول صفة اجتهاد ابن أبي القاسم العتقي المتوفي سنة 191هـ هل اجتهاده مطلق أو مقيد؟
وفي مجلس السلطان أبي تاشفين أيضا دارت مناظرة بين أبي زيد ابن الإمام وأبي إسحاق ابن الحكم السلوي على حديث: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله.
هل الملقن محتضر حقيقة ميت مجازا؟
وكذا تعقيب أبي القاسم الغبريني المتوفي سنة 722هـ على فتوى التلمسانيين: الإمام الشريف التلمساني وبلديه الفقيه أبي عبد الله المقري المتعلقة بـ: من أوصى بثلث ماله واشترط أنه لا يرجع في وصيته، وتصدى الخطيب ابن مرزوق للرد على الغبريني انتصارا للمفتيين التلمسانيين ثم مناظرة الشريف التلمساني وتعقيبه على اعتراض الغبريني وما كتبه ابن مرزوق.
ووقعت أيضا مناظرة بين أبي العباس القباب والقاضي أبي عبد الله القشتالي في مسألة مراعاة الخلاف في المذهب المالكي، ومشاركة أبي إسحاق الشاطبي في هذه المناظرة، وقد أظهر بحثا جليلا مع الإمامين القباب وابن عرفة.
ومن ذلك ما وقع بين الإمام أبي العباس القباب والإمام أبي سعيد العقباني من مناظرات ومراجعات في مسائل عدة جمعها العقباني وسماها: لباب اللباب في مناظرة القباب.

وهكذا وبفضل تلك الدعائم الفكرية والقواعد الثقافية استطاعت تلمسان في عهد بني عبد الواد الزيانيين وقبلهم تنمية الحركة الفكرية وتعميق جذورها حتى أصبحت عاصمة الفكر في بلاد المغرب الأوسط وبلد إشعاع علمي ثقافي يضاهي أهم المراكز الثقافية في العالم الإسلامي، فينع فيها جيل مبرز من العلماء الراسخين ونبغ، وها نحن في هاته الحلقات نعيد بعض حق هؤلاء علينا بإظهار ما أخفاه الزمان وإحياء ما أماته الدهر، فنخرج تراث علمائنا الأبرار إلى بر الوجود ونمحي عنه حقائب النسيان، ونذكر جيلنا ومن بعدهم في بلدنا الحبيب وكل بلاد الدنيا بعلماء الجزائر الذين ساهموا في إثراء الفكر الثقافي وتنميته.
من علمائها الفحول:
أحمد بن نصر الداودي الأسدي التلمساني
من أئمة المالكية بالمغرب، والمتسمين في العلم، المجيدين للتأليف، أصله من المسيلة، وقيل من بسكرة.
كان بطرابلس، وبها أملى كتابه في شرح الموطأ، ثم انتقل إلى تلمسان، وكان فقيهاً فاضلاً متفنناً مؤلفاً مجيداً، له حفظ من اللسان والحديث والنظر، أخذ عنه أبو عبد الله البوني، وعليه تفقه، وألّف كتاب القاضي في شرح الموطأ، والواعي في الفقه، والنصيحة في شرح البخاري، والإيضاح في الرد على الفكرية، وكتاب الأصول، وكتاب البيان، وكتاب الأموال، وغير ذلك، وقيل أنه كان ينكر على معاصريه من علماء القيروان سكناهم في مملكة بني عبيد، وبقاؤهم بين أظهرهم، وأنه كتب إليهم مرة بذلك. فأجابوه أسكت لا شيخ لك، أي لأن درسه كان وحده، ولم يتفقه في أكثر علمه عند إمام مشهور، وإنما وصل إلى ما وصل بإدراكه، ويشيرون أنه لو كان له شيخ يفقهه حقيقة الفقه لعلم أن بقاءهم مع من هناك من عامة المسلمين تثبيت لهم على الإسلام، وبقية صالحة للإيمان، وأنهم لو خرج العلماء عن إفريقية لتشرّق من بقي فيها من العامة الألف والآلاف فرجحوا خير الشرين، والله أعلم، حمل عنه أبو عبد الله البوني، وأبو بكر ابن الشيخ أبي محمد ابن أبي زيد رحمه الله، وأبو علي ابن الوفاء وغيرهم.
قال حاتم الطرابلسي: توفي بتلمسان سنة اثنتين وأربعمائة، وقبره عند باب العقبة، ولم يسمع منه حاتم وكان حياً إذ كان حاتم بالقيروان.



حسن بن عبد الله بن حسن الكاتب يعرف بابن الأشيري ويكنى أبا علي.
من أهل تلمسان نشأ بها، وكان من أهل العلم بالقراءات واللغة والغريب يغلب عليه الأدب وكان ناظماً ناثراً له مجموعة في غريب الموطأ ومختصر في التاريخ سماه نظم اللآلي وقصيدته في غزوة السبطاط مستجادة وكانت سنة 569هـ، له شعر في زاد المسافر أيضا.
العلامة قاضي تلمسان أبو عبد الله محمد بن عبد الحق بن سليمان الكوفي البربري التلمساني المالكي.
تفقه بأبيه، وأخذ القراءات والنحو في سنة إحدى وخمسين وخمس مئة عن أبي علي بن الخراز النحوي.
وسمع من أبي الحسن بن حنين، وأبي عبد الله بن خليل.
وأجاز له ابن هذيل، والسلفي.
وكان إماما معظما كثير التصانيف من ذلك: " غريب الموطأ " وكتاب "المختار في الجمع بين المنتقى والاستذكار " في عشر مجلدات.
روى عنه ابن النجار، والسيف، وابن نقطة، والأبرقوهي شيخ الحافظ الذهبي.
وكان صالحا، مات في ذي القعدة  سنة خمس وعشرين وست مئة.
محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد الخرساني الأصل التلمساني المولد
نزيل مصر موفق الدين ولد في رمضان سنة 614 وسمع من ابن المقير وابن الجميزي وابن واج وغيرهم وطلب قليلا ولزم طريق الصلاح والعبادة مع سلامة الباطن مات في جمادى الآخرة سنة 704.
محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن خميس الحجري التلمساني أبو عبد الله
قال ابن الخطيب كان نسيج وحده زهداً وهمة مع سلامة الصدر وحسن الهيئة وقلة التصنع قائماً على صناعة العربية والأصلين عالي الطبقة في الشعر وكتب بتلمسان عن ملوكها ثم فر منهم وقدم غرناطة فتلقاه الوزير أبو عبد الله ابن الحكيم وأكرمه جداً وله قصائد كثيرة تعانى فيها حواشي الكلام فأجاد وقصائد يجتنب ذلك فيها فأحسن فمنه قصيدة.
أولها:
ليت العدى العامات ألفت     فلي الهناء وللعدى الكتب
يا من إلي جدوى أنامله         تزجي السفين وترجى النجب

وهي طويلة وكانت وفاته يوم مقتل صاحبه يوم عيد الفطر سنة 708.



الشيخ الإمام العالم الحافظ المحدث أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن علي بن محمد بن سليمان التجيبي المرسي، محدث تلمسان.
أخذ القراءات وجودها عن أبي أحمد بن معط المرسي، وأبي الحجاج الثغري، وابن الفرس، وحج، وطول الغيبة، وأكثر عن أبي طاهر السلفي، وكتب عن مئة وثلاثين نفسا، وعمل " المعجم "، وكان يقول: دعا لي السلفي بطول العمر، وقال لي: تكون محدث المغرب إن شاء الله.
وسمع بمكة من علي بن عمار " صحيح البخاري " وسمع ببجاية من عبد الحق الحافظ.
ارتحل إليه الطلبة، وأكثروا عنه.
قال الأبار: كان عدلا، خيرا، حافظا للحديث، ضابطا، وغيره أضبط منه، روى عنه أكابر أصحابنا وبعض شيوخنا لعلو إسناده وعدالته، وأجاز لي، وألف " أربعين حديثا في المواعظ " و" أربعين في الفقر وفضله " و" أربعين في الحب لله " و" أربعين في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم " وتصانيف أخر.
توفي في جمادى الأولى سنة عشر وست مئة، وله نحو من سبعين سنة.
عبد الحميد بن محمد بن عبد الحميد بن سلمة، المعروف بابن بربطير البلغي التلمساني.
قدم الثغر متوجهاً إلى الحجاز لأداء فرضه، وكان يحضر عند السلفي فيسأله عن مولده فقال: ولدت سنة سبع وثمانين وأربعمائة، بمدينة بلغي بشرقي الأندلس ثم انتقلت إلى العدوة بعد استيلاء العدو على البلد فصرت خطيب مدينة تلمسان، وقرأت القرآن بروايات على أصحاب أبي عبد الله المغامي وأبي داود المؤيدي صاحبي أبي عمرو الداني، وسمعت الحديث على شيوخ الوقت، ورأيت أبا العرب الصقلي بجزيرة ميورقة وآخرين من الشعراء، وصحبت كثيراً من الفقهاء وأخذت عنهم، وأنا عبد الحميد بن محمد بن عبد الحميد بن سلمة، وأعرف بابن بربطير البلغي.
ذكره أبو طاهر السلفي في معجمه.
أبو العباس، شهاب الدين، ابن أبي حجلة
 عالم بالأدب، شاعر، من أهل تلمسان،سكن دمشق، وولي مشيخة الصوفية بصهريج منجك (بظاهر القاهرة) ومات فيها بالطاعون.
كان حنفيا يميل إلى مذهب الحنابلة ويكثر من الحط على أهل (الوحدة) وخصوصا ابن الفارض، وامتحن بسببه.
له أكثر من ثمانين مصنفا، منها مقامات وكتاب ديوان الصبابة ومنطق الطير والسجع الجليل فيما جرى في النيل وديوان شعر والأدب الغض وحاطب ليل في عدة مجلدات، وغرائب العجائب وعجائب الغرائب وجوار الأخيار في دار القرار ذكره صاحب كشف الظنون (1: 609) ومخطوطته في مكتبة معهد دمياط بمصر، وهو في مناقب عقبة بن عامر صنفه ابن أبي حجلة لأنه دفن أحد أولاده في جواره.
محمد بن الحسن بن محمد اليحصبي أبو عبد الله الباروني نزيل تلمسان
قال ابن الخطيب كان من صدور الفقهاء حسن التعليم أخذ عن القاضي أبي الحسن الصغير وأبي زيد الجزولي وغيرهما ودرس بغرناطة وسبتة وغيرهما وكانت فيه خدمة وجرت عليه بسببها محنة ومات بتلمسان 13 شوال سنة 734هـ، الدرر الكامنة.
القاضي ابن هدية القرشي
هو أبو عبد الله محمد بن منصور بن علي بن هدية القرشي التلمساني من ولد عقبة بن نافع الفهري كان رحمه الله فقيها له معرفة كبيرة بالوثائق أديبا وكاتبا وخطيبا بجامع تلمسان وولي القضاء بها وقد وصفه يحيى بن خلدون بقوله: عالم خير من أئمة اللسان والأدب ذو بصر بالوثائق مشهور بالفضل والدين.
كتب الرسائل عند الملوك الأوائل من بني يغمراسن بن زيان، وأصبح مستشارهم في أمور السلطة له تآليف قيمة في فنون شتى منها: تاريخ تلمسان وشرح الرسالة لابن خميس الحجري وأخذ عنه كبار العلماء كابن المقري الكبير والشريف التلمساني وغيرهما توفي رحمه الله تعالى سنة 736هـ شهد جنازته سلطانها يومئذ أبو تاشفين وولى ابنه أبا علي منصورا مكانه يومئذ ولما ثقل لسانه دعا ابنه هذا فقال له اكتب هذين البيتين فإني نظمتهما على هذه الحالة فكتب:
  إلهي مضت للعمر سبعون حجة      جنيت بها لما جنيت الدواهيا
 وعبدك قد أمسى عليل ذنوبه          فجد لي برحمى منك نعم الدواهيا

أبو محمد عبد الله بن عبد الواحد بن إبراهيم بن الناصر المجاصي
خطيب جامع القصر الجديد وجامع خطتي التحديث والتجويد ويسميه أهل مكة البكاء ولما قدم أبو الحسن علي بن موسى البحيري سأل عنه فقيل له لو علم بك أتاك فقال أنا آتي من سمعت سيدي أبا زيد الهزميري يقول له لأول ما رآه ولم يكن يعرفه قبل ذلك مرحبا بالفتى الخاشع أسمعنا من قراءتك الحسنة.
وصفه المقري بقوله: عالم الصلحاء وصالح العلماء وجليس النزيل وحليف البكاء والعويل.
كان من أهل الحديث والدين رحل إلى المشرق في طلب العلم وتولى التدريس والوعظ بتلمسان من تلامذته الشريف التلمساني والمقري الكبير وابن مرزوق الجد، توفي رحمه الله سنة 741هـ .
أبو عبد الله التميمي
هو أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي عمرو التميمي، ينتمي إلى أسرة عريقة بتونس وكان جده القاضي أبو الحسن بتونس قد شغل منصب القضاء والعلامة والإنشاء في إمارة المستنصر الحفصي أدرك أبو عبد الله التميمي ابن زيتون المتوفي سنة 691هـ وأخذ عن أبي طاهر ابن سرور وغيره ثم نزل بتلمسان بعد حصارها الأول فولي قضاء وجدة ثم تلمسان ودرس بها العلوم الدينية وأخذ عنه الشريف التلمساني والمقري الكبير وغيرهما، له تآليف كثيرة أجلها: ترتيب كتاب اللخمي على المدونة في الفروع توفي سنة 745هـ.
نادرة الأعصار أبو عبد الله محمد بن يحيى بن علي بن النجار
قال العلامة الآبلي: ما قرأ أحد علي حتى قلت له لم أبق عندي ما أقول لك غير ابن النجار.
ولد ونشأ بتلمسان وأخذ عن علمائها ثم ارتحل إلى المغرب فأخذ بفاس ومراكش عن علمائها، فبرع في العلوم العقلية ثم عاد إلى تلمسان فدرس بها ثم استلحقه أبو الحسن المريني بحضرته إبان احتلاله الجزائر وصحبه إلى تونس حيث هلك.
قال ابن النجار: مر عمل الموقتين على تساوي فضلتي ما بين المغرب والعشاء والفجر والشمس فيؤذنون بالعشاء لذهاب ثماني عشرة درجة وبالفجر لبقائها والجاري على مذهب مالك أن الشفق الحمرة وأن تكون فضلة ما بين العشاءين أقصر لأن الحمرة ثانية الغوارب والطوالع فتزيد فضلة الفجر بمقدار ما بين ابتداء طلوع الحمرة والشمس فعرض المقري كلامه هذا على المزوار أبي زيد عبد الرحمن بن سليمان البجائي فصوبه.
 وذكر المقري يوما حكاية ابن رشد الاتفاق في الخمر إذا تخللت بنفسها أنها تطهر واعترضه بما في الإكمال عن ابن وضاح أنها لا تطهر فقال له لا معتبر بقول ابن وضاح هذا لأنه يلزم عليه تحريم الخل لأن العنب لا يصير خلا حتى يكون خمرا وفيه بحث.
 وذكر المقري أيضا قول ابن الحاجب فيما يحرم من النساء بالقرابة وهي أصول وفصول وفصول أول أصوله وأول فصل من كل أصل وإن علا، فقال إن تركب لفظ التسمية العرفية من الطرفين حلت وإلا حرمت فتأملته فوجدته كما قال لأن أقسام هذا الضابط أربعة التركب من الطرفين كابن العم وابنة العم مقابله كالأب والبنت والتركب من قبل الرجل كابنة الأخ والعم مقابله كابن الأخت والخالة.
قال المقري: وأنشدت يوما عنده على زيادة اللام
              باعد أم العمر من أسيرها
فقال لي وما يدريك أنه أراد العمر الذي أراده المعري بقوله
  وعمر هند كأن الله صوره      عمرو بن هند يعني الناس تعنيتا 

 وأضاف اللام إليه كما قالوا أم الحليس قلت ولا يندفع هذا بثبوت كون المعنية أم عمرو لأن ذلك لا يمنع إرادة المعنى الآخر فتكون أم عمرو وأم العمر.
قال ابن النجار: بعثت بهذه الأبيات من نظمي إلى القاضي أبي عبد الله ابن هدية فأخرج لغزها
 إن حروف اسم من كلفت به          خفت على كل ناطق بفم 
 سائغة سهلة مخارجها             من أجل هذا تزداد في الكلم 
 صحفه ثم اقلبن مصحفه             فعل ذكي مهذب فهم
 واطلبه في الشعر جد مطلبه         تجده كالصبح لاح في الظلم 
 فإن تأملت بت منه على         علم وإلا فأنت عنه عمي 

واللغز سلمان وموضعه تأملت بت، توفي رحمه الله تعالى بتونس أيام الوباء العام سنة 749هـ.
القاضي ابن عبد النور الندرومي
هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد النور الندرومي الفقيه القاضي بمدينة فاس قال ابن خلدون: ونسبه في صنهاجة كان مبرزا في الفقه على مذهب الإمام مالك بن أنس تفقه فيه على الأخوين أبي زيد وأبي موسى ابني الإمام وكان من جلة أصحابهما، وقال عنه أخوه يحيى بن خلدون: من الفقهاء المدرسين وأهل الفتيا والدين المتين.
كانت له رحلة إلى المشرق لقي بها جلال الدين القزويني وحلبته، ولما استولى السلطان أبو الحسن على تلمسان أدناه وضمه إلى المجلس العلمي بإشارة من أبي زيد ابن الإمام، ثم عينه قاضي عسكره واصطحبه في جملة العلماء إلى تونس وتوفي بها في الوباء الجارف سنة 749هـ رحمهم الله تعالى أجمعين.
سعيد بن محمد العقباني التلمساني
هو إمام عالم فاضل فقيه مذهب مالك متفنن في العلوم سمع من ابني الإمام أبي زيد وأبي موسى وتفقه بهما وأخذ الأصول عن أبي عبد الله الآبلي وغيره.
وصدراته في العلم مشهورة ولي قضاء الجماعة ببجاية في أيام السلطان أبي عنان والعلماء يومئذ متوافرون وولي قضاء تلمسان وله في ولاية القضاء مدة تزيد على أربعين سنة وله تآليف منها: شرح الحوفي في الفرائض لم يؤلف عليه مثله وله شرح الجمل للخونجي في المنطق وشرح التلخيص لابن البناء وشرح قصيدة ابن ياسمين في الجبر والمقابلة وشرح العقيدة البرهانية في أصول الدين وغير ذلك كشرحه لسورة الفتح أتى فيه بفوائد جليلة.
محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر من مرزوق العجيسي
من أهل تلمسان يكنى أبا عبد الله ويلقب من الألقاب المشرقية بشمس الدين قال بن الخطيب: هذا الرجل أبقاه الله من طرف دهره ظرفاً وخصوصية ولطافة مليح الترسل. حسن اللقاء مبذول البشر كثير التودد نظيف البزة لطيف التأتي خير البيت طلق الوجه خلوب اللسان طيب الحديث مقدر الألفاظ عارفاً بالأبواب درباً على صحبة الملوك والأشراف ممزوج الدعابة بالوقار والفكاهة بالنسك والحشمة بالبسط عظيم المشاركة لأهل وده والتعصب لإخوانه إلفاً مألوفاً كثير الأتباع مجدي الجاه غاص المنزل بالطلبة بارع الخط أنيقه متسع الرواية مشاركاً في فنون من أصول وفروع وتفسير ويكتب ويقيد ويؤلف ويشعر فلا يعدوه السداد في ذلك فارس منبر جزوع ولا هيابة.
رحل إلى المشرق في كنف حشمة من جناب والده رحمه الله تعالى فحج وجاور ولقي الجلة ثم فارقه وقد عرف بالمشرق حقه وشيوخه الذين أخذ عنهم العلم وروى عنهم الحديث مذكورون في مشيخته المسماة: عجالة المستوفى المستجاز في ذكر من سمع من المشايخ دون من أجاز من أئمة المغرب والشام والحجاز فمنهم:
 عز الدين أبو محمد الحسين بن علي الواسطي الخطيب بالمدينة النبوية وجمال الدين محمد بن أحمد بن خلف المطري وهو يروي عن عفيف الدين عبد السلام بن مزروع وأبي اليمن بن عساكر وغيره والشيخ أبي الحسن علي بن محمد الحجار الفراش بالحرم النبوي وشهاب الدين أحمد بن محمد الصنعاني وقاضي المدينة شرف الدين الأسيوطي اللخمي والخطيب بهاء الدين موسى بن سلامة الشافعي الخطيب بالمدينة النبوية والشيخ أبي طلحة الزبير بن أبي صعصعة الأسواني والشيخ عفيف الدين المطري والشيخ أبي البركات أيمن بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد - إلى أربعة عشرة جداً كلهم اسمه محمد التونسي المجاور بالمدينة النبوية والشيخين أبي محمد عبد الله وأبي الحسن علي ابني محمد بن فرحون، والشيخ الصالح أبي الوفا خليل بن عبد الرحمن القسطلاني التوزري والشيخ الصالح أبي محمد عبد الله بن أسعد الشافعي الحجة انتهت إليه الرياسة العلمية والخطط الشرعية بالحرم والشيخ فخر الدين عثمان بن أبي بكر النويري المالكي والشيخ شهاب الدين أحمد بن الحرازي اليمني والشيخ قاضي القضاة نجم الدين محمد بن جمال الدين بن عبد الله بن المحب الطبري والشيخ جلال الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد الأقشهري التلمساني والشيخ أبي الربيع سليمان بن يحيى بن سليمان المراكشي السفاح وقاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن محمد بن جماعة الكناني قاضي القضاة بالديار المصرية.
والشيخ المصنف قاضي القضاة جمال الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عمر القزويني شهير الذكر رفيع القدر ومحمد بن جابر الوادي آشي.
وبتونس المحدث النسابة أبي عبد الله محمد بن حسن الزبيدي وقاضي الجماعة أبي إسحاق بن عبد الرفيع والقاضي أبي محمد بن عبد السلام وأبي محمد بن راشد القفصي وإمام جامع الزيتونة أبي موسى هارون وببجاية الإمام العلامة أبي علي ناصر الدين المشدالي والحافظ فقيه زمانه أبي عبد الله محمد بن عبد الله الزواوي وأبي عبد الله بن المعتز.
وبتلمسان ابني الإمام وقاضي الجماع أبي عبد الله بن هدية والخطيب أبي محمد المجاصي وغيرهم وذكرهم يطول.
ولما انصرف من المشرق وقدم المغرب اشتمل عليه السلطان أبو الحسن اشتمالاً خلطه بنفسه وجعله مفضى سره وإمام جمعته وخطيب منبره وأمين رسالته ورحل بعد أبي الحسن إلى الأندلس فاجتذبه سلطانها وأجراه على تلك الوتيرة فقلده الخطبة بمسجده وأقعده للإقراء بمسجد حضرته.
ثم انصرف عزيز الرحلة حتى قدم على ولد السلطان أبي الحسن وارث الملك بعد السلطان أبي عنان فارس فكان عنده في محل تجلة وبساط قرب مجرى التوسط ناجع الشفاعة.
وكان بعد أبي عنان عند أخيه السلطان أبي سالم المسمى بالسعيد فاستولى على أمر السلطان وخلطه السلطان بنفسه ولم يستأثر ببثه ولا انفرد بما سوى بضع أهله بحيث لا يقطع في شيء إلا عن رأيه ولا يمحو أو يثبت إلا وقفاً عند حده فغشيت بابه الوفود وصرفت إليه الوجوه ووقفت عليه الآمال وخدمته الأشراف وجلبت إلى سدته بضائع العقول والأموال وهادته الملوك فلا تحدو الحداة إلا إليه ولا تحط الرحال إلا لديه.
ثم انفرد أخيراً ببيت الخلوة ومنتبذ المناجاة من دونه مصطفى الوزراء وغايات الحجاب وإذا انصرف تبعته الدنيا وسارت بين يديه ووقفت ببابه الأمراء قد وسع الكل لحظه وشملهم بحسب الرتب والأحوال رعيه لكن رضى الناس الغاية التي لا تدرك والحسد بين بني آدم قديم فلما انقضى أمر هذا السلطان قبض عليه وأجمع الملأ على قتله وضيق عليه وانتهبت أمواله واعتقلت رباعه وتمادى به الاعتقال والشدة إلى أن شملته عوائد الله تعالى معه في الخلاص من الشدة وظهرت عليه بركة سلفه قائمة حجة الكرامة لهم في أمره.
قال بن الخطيب: أخبرني أمير المسلمين سلطاننا أعزه الله قال: عرض لي والدي رحمه الله في النوم فقال لي: يا ولدي اشفع في الفقيه ابن مرزوق فعينت للوجهة في ذلك قاضي الحضرة فكان ذلك ابتداء الفرج.
قال: وحدثني الثقة من خدام السلطان أبي عنان عنه مخبراً عن نفسه يعني السلطان وكان أبو عنان قد غضب عليه ثم أجاره من سخطه عليه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرني بذلك وكفى بها جاهاً وحرمة.
ثم ترك سبيله وأبيح له ركوب البحر إلى البلاد المشرقية بأهله وولده فسار في كنف الستر وتحت جناح الوقاية عام أربعة وستين وسبعمائة.
وتصانيفه عديدة في فنون متنوعة وكلها بديعة كثيرة الفائدة تدل على كثرة اطلاعه منها:
شرح العمدة في خمس مجلدات جمع فيه بين شرحي الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد وتاج الدين الفاكهاني وأضاف إلى ذلك كثيراً من الفوائد الجليلة النفيسة وشرح كتاب الشفا في التعريف بحقوق المصطفى ولم يكمل. وتوفي بعد الثمانين وسبعمائة رحمه الله تعالى.
علي بن أحمد بن داود أبو الحسن البلوي الوادياشي المالكي نزيل تلمسان
ممن أخذ عن إبراهيم بن فتوح الغرناطي في العقليات ونحوها وكذا أخذ عن محمد السرقسطي في الفقه وغيره وتميز في الفقه والعربية وتصدى للإقراء وولي الإمامة والخطابة والتدريس وغيرها بجامع بلده وكذا ولي الإمامة والخطابة والتدريس وغيرها بجامع غرناطة الأعظم مع القضاء بها وغير ذلك ثم تورع عن القضاء بعد نحو شهر.
قال الخطيب ابن مرزوق وعاشرته كثيرا سفرا وحضرا وسمعت بقراءته وسمع بقراءتي وقرأت عليه الكثير وقيدت من فوائده وأنشدني الكثير فأول ما قرأت عليه بالقاهرة وقرأت عليه بمدينة فاس وبظاهر قسنطينة وبمدينة بجاية وبظاهر المهدية وبمنزلي من تلمسان وقرأت عليه أحاديث عوالي من تخريج الدمياطي وفيها الحديث المسلسل بالأولية وسلسلته عنه من غير رواية الدمياطي بشرطه ثم قرأت عليه أكثر كتاب الموطإ رواية يحيى وأعجله السفر فأتممته عليه في غير القاهرة وحدثني به عن جماعة ومعوله على الشيخين قاضي القضاة أبي العباس ابن الغماز الخزرجي وهو أحمد بن محمد بن حسن والشيخ أبي محمد ابن هارون وهو عبد الله بن محمد القرطبي الطائي الكاتب المعمر الأديب بحق سماعه لأكثره على الأول وقراءته بأجمعه على الثاني قال الأول أخبرنا أبو الربيع ابن سالم بجميع طرقه فيه منها عن ابن مرزوق وأبي عبد الله ابن أبي عبد الله الخولاني عن أبي عمرو عثمان بن أحمد المعافري عن أبي عيسى بسنده وقال الثاني أخبرنا أبو القاسم ابن بقي بقرطبة أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الحق عن محمد بن فرج مولى الطلاع عن يونس بتمام سنده.
وفي هذا السند غريبتان إحداهما أنه ليس فيه إجازة والثانية أن شيوخه كلهم قرطبيون.
إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن عبد العزيز بن إسحاق بن أحمد بن إسماعيل بن قاسم بن إسحاق النميري الغرناطي
كان أبوه يكتب للرؤساء من أهل وادي آش واختص بهم ثم كان ولده صدراً من رؤسائهم بارع الخط فائق النظم وكتب في الإنشاء وولد إبراهيم هذا في سنة عشر أو نحوها واشتغل بالعلم والحديث والشعر وبلغ الغاية في ذلك وانصرف عن الأندلس في المحرم سنة 37 وحج ودخل دمشق وسمع من المزي. وذكره الذهبي في المعجم المختص وأثنى عليه ثم رجع إلى إفريقية ثم انتقل إلى بجاية فكتب عن صاحبها ثم قدم تلمسان وانقطع في تربة الشيخ أبي مدين إلى أن مات في سنة 4 أو 765هـ.
محمد بن إبراهيم بن أحمد الآبلي
هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن أحمد العبدري الآبلي التلمساني المشتهر بالآبلي قال عنه ابن مرزوق الخطيب: شيخ المغرب في العلوم العقلية وإمام وقته ووصفه المقري: نسيج وحده ورحلة وقته في القيام على الفنون العقلية وإدراكه وصحة نظره، وبعالم الدنيا وأثنى عليه ابن خلدون كثيرا.
نشأ الآبلي في كنف جده لأمه القاضي محمد بن غلبون وأخذ عنه فشب على حب العلم ورغب فيه فانتفع قديما بالإمام أبي الحسن التنسي وبأبي موسى ابن الإمام بعد عودته إلى تلمسان وكانت رحلته إلى المشرق عند الحصار الطويل حيث سافر إلى مصر والشام والحجاز وأدى فريضة الحج ولقي العديد من أجلة العلماء كابن دقيق العيد وغيره.
وبتلمسان لم يستطب الآبلي وظيفة ضبط الجباية التي أوكله بها أبو حمو الأول فغادرها إلى المغرب ولزم بمراكش العالم الشهير أبا العباس ابن البناء فتضلع عليه في المعقول والحكمة والتعاليم ثم التحق بشيخ الهساكرة علي بن محمد بن تروميت فأقام عنده مدة قضاها في التدريس وبعدها انتشر ذكره وذاع صيته استقر بفاس واختصه السلطان أبو الحسن المريني واجتباه بمجلسه الخاص، وحضر معه وقعة طريف بالأندلس ووقعة القيروان بتونس وهناك أخذ عنه عدد من العلماء كابن عرفة وابن خلدون وغيرهم، ومكث بتونس إلى أن طلبه أبو عنان بعد امتلاكه الجزائر سنة 753هـ وفد عليه بتلمسان فنظمه في طبقة علماء أشياخه ثم سار معه إلى المغرب الأقصى فظل يقرأ عليه حتى توفي بفاس سنة 757هـ.
وكان السلطان أبو عنان يقول: أخبرنا شيخنا الإمام العالم العلامة وحيد زمانه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي رحمه الله.
وقد نسبه ابن حجر فقال: محمد بن إبراهيم بن عبد الله وهو وهم فجده أحمد وليس عبد الله كما ذكره تلميذه المقري تحت ترجمته، وذكر في ترجمته قصة غريبة تفرد بها قال: ورافق بعض الأشراف فكان يحتلم كثيرا فاستحيى من رفيقه من كثرة الاغتسال فتناول شيئا من الكافور فحصل له في عقله خلل وحج مع ذلك.
ولعل هذا نموذج من مناذج أوهام النقاد المشارقة في الأعلام المغاربة كما بينته بشيء من التفصيل في كتابي: أوهام النقاد المشارقة في الرواة المغاربة وأسباب ذلك.
هذا ولم تذكر لنا كتب التراجم والتاريخ عن تآليفه شيئا ولعل ذلك راجع إلى اقتناعه بنظرته المتمثلة في أن فساد العلم كثرة التأليف حيث كان يقول: إنما أفسد العلم كثرة التواليف وإنما أذهبه بنيان المدارس.
ومن كلامه المأثور: لولا انقطاع الوحي لنزل فينا أكثر مما نزل فيهم يعني بني إسرائيل، لأنا أتينا أكثر مما أتوا.
أبو العباس أحمد بن محمد بن زكري
العالم الحافظ المتفنن الإمام الأصولي الفروعي المفسر الأبرع المؤلف الناظم الناثر أحمد بن محمد بن زكري المانوي أبو العباس المغراوي التلمساني، والمغراوي نسبة إلى قبيلة مغراوة البربرية، وهي فرع من قبيلة صنهاجة المشهورة، ولد بمدينة تلمسان في حوالي سنة 830 هـ في عهد السلطان الزياني أبي العباس أحمد المتوكل، توفي والده وهو صغير فكفلته أمه، وأشرفت على تربيته.
وبعد أن حفظ القرآن الكريم وتعلم بعض مبادئ اللغة العربية، والكتابة في جامع صغير يقع بقرب منزلهم ونظرا لفقره الشديد وحاجة والدته لمن ينفق عليها فقد غادر الكتاب ولم يبلغ الثالثة عشر من العمر ليواجه مطالب الحياة ويشتغل في معمل صغير للنسيج، وكان يسكن بجوار هذا المشغل العالم الجليل أحمد بن زاغو، فكان صاحبنا كلما التقاه في غدوه ورواحه حياه بتحية الإسلام بكل أدب وحياء، مما لفت انتباه الشيخ ابن زاغو فاستوقفه مرة يسأله عن سبب ذهابه إلى المشغل فأعلمه الطفل بأنه يشتغل فيه طول النهار لكسب ما يسد رمقه ورمق والدته، ولما شاهده الشيخ عليه من ملامح النبوغ والفطنة  فقد طلب منه أن يستأذن له والدته ليحدثها في أمر تعليمه على يديه، ففرح الغلام والتقى الشيخ بوالدة مترجمنا وأقنعها بأن يلحقه بمدرسته ليتعلم مقابل أن يعطيها نصف درهم كل يوم. وقد ذكر ابن مريم في كتابه البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان ص 39  هذه القصة لكنه قال:" أن ابن زاغو سمع ابن زكري يغني فأعجبه صوته وقال لما لا يكون هذا الصوت الجميل في قراءة وتجويد القرآن الكريم ومن ثم تكلم مع ابن زكري وذهب معه إلى العجوز أمه وقال لها ولدك هذا ما أجرته في الطراز فقالت له نصف دينار في الشهر، فقال لها أنا أعطيك نصف دينار مسبقا في كل شهر وتدعيه يقرأ عندي، فقالت له أو تنصفني فيه؟ فأخرج من جيبه نصف دينار ودفعه لها، وشرع يقرأ عنده حتى وفاته.
فكان بعد وفاة شيخه ابن زاغو انتقل للقراءة على يد محمد بن العباس ينهض باكرا ليلتحق بمنطقة عباد خارج تلمسان ويرجع في المساء، وهنا يروي ابن مريم كيف أنه في بعض الأيام سقط الثلج بكثافة فلم يستطيع العودة فنام في إسطبل الشيخ فوق التبن الذي يستعمل لعلف الفرس، فلما جاءت الخادمة وجدته نائما فأخبرت الشيخ الذي كتب إلى السلطان يطلب منه أن يمنح التلميذ بيتا في المدرسة السلطانية وقد وافق السلطان على هذا الطلب فكتب له البيت برتبته وفرشه وسمنه وزيته وفحمه ولحمه وجميع ما يمونه وكل هذا من بركة العلم والحرص على طلبه.
بعد أن تمكن من علوم شيخه طلب منه أن يحضر دروسه التي يلقيها بالمسجد الجامع لتلمسان بحضرة السلطان الزياني الذي أعجب بتدخلات أبي العباس الشاب وأسئلته وفوائده التي كان يدلي بها بعد نهاية الدرس حيث أن من عادة العالم محمد بن العباس أن ينهي درسه بمناقشة يشارك فيها الحضور، ولما طلب السلطان التعرف على الشاب ابن زكري وابن من هو؟ قدمه له ابن العباس قائلا: " هذا ابن ذراعة " أي أنه ابن ذراعه ولم يعتمد على نسب أو جاه.
ولما ظهر من تمرسه في العلم من تفسير وفقه ومنطق عين مدرسا في الجامع الكبير لإلقاء الدروس وكان مشتغلا بالعلم والتدريس يكرر المسألة الواحدة ثلاثة أيام حتى يفهمها الخاص والعام وانتفع به المسلمون كلهم وكل من يحضر مجلسه.
وقد بلغت شهرته الآفاق وسمع به القاصي والداني مما دعا بالسلطان إلى تعيينه مفتيا وهو لا يزال في ريعان الشباب، وقد تعرف على الشيخ السنوسي صاحب " العقيدة الصغرى " وتبادل معه المراسلات وكانت بينهما نقاشات ومجادلات فكرية وعلمية نقلتها بعض كتب التراجم.
أخذ عن ابن زكري الكثير من العلماء والمشايخ من أشهرهم:
الإمام أحمد بن مزروق الخطيب والإمام محمد ابن مرزوق الحفيد والشيخ أبو عبد الله محمد بن العباس والشيخ أحمد بن الحاج المناوي وغيرهم رحمهم الله تعالى أجمعين.
توفي رحمه الله عن عمر يناهز الستين في أوائل صفر عام تسعمائة، وقد أرخه الكثيرون ممن ترجموا له في غير تلك السنة غير أنه ذكرت في وثيقة حجرية الشاهد المكتشف في المقبرة القديمة لمدينة تلمسان المسماة بمقبرة القاضي وفيها الكتابة التالية:  هذا قبر الشيخ الفقيه الإمام العلم المتفنن سيدي ابن العباس بن أحمد بن محمد بن زكري المغراوي توفي رحمه الله أوايل  كذا صفر عام تسعميا  كذا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم '' ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
من مؤلفاته رحمه الله تعالى كتاب في مسائل القضاء والفتيا، المنظومة في علم الكلام وفي علم المنطق وتحتوي على 1500 بيت، شرح أصول العقيدة للإمام أبي المعالي الجويني، أرجوزة في حساب المنازل والبروج كتاب القواعد في أصول الفقه كتاب الحقائق والرقائق في الوعظ والتصوف وله فتاوي كثيرة منقولة في موسوعة المعيار المعرب للونشريسي.
يحيى بن عيسى بن علي بن محمد بن أحمد المري أبو الحسين المعروف بابن الصقيل
من أهل تلمسان سمع من أبي علي بمرسية وولي القضاء بعد ذلك ولا نعرف موضع ولايته قال القاضي أبو بكر عن القاضي عياض وقرئ على أبي الربيع الحافظ عن ابن الحكم الخطيب عنه قال نا صاحبنا القاضي أبو الحسين بن الصقيل قال نا القاضي أبو علي شيخنا نا القاضي أبو بكر بن بكران قال قلت للقاضي أبي الطيب الطبري شيخنا رحمه الله وقد أدرك من العمر ما أدرك ومتع بحواسه وجوارحه لقد متعت بجوارحك أيها الشيخ الإمام فقال ولم وما عصيت الله بواحدة منها قط أو كما قال صاحبنا.
وكان أبو الطيب قد عمر زايداً على ماية عام مولده سنة 348 توفي سنة 450 ذكر ذلك الإمام أبو اسحق الشيرازي قال وهو على ذلك لم يختل عقله ولا تغير فهمه يفتي مع الفقهاء ويستدرك عليهم الخطأ ويقضي ويشهد ويحضر المواكب في دار الخلافة إلى أن مات رحمه الله.

يعقوب بن حماد الأغماتي أبو يوسف

الفقيه الحافظ من أهل تلمسان وأصله من أغمات رحل إلى مرسية فسمع بها من أبي علي جامع الترمذي وغير ذلك في سنة 511 قال أبو زكريا يحيى بن أبي بكر ابن عصفور بن عبد الله العبدري قال حدثني أبو عبد الله محمد بن منصور إجازة عن أبي رضي الله عنه نا الحافظ أبو يوسف الأغماتي قراءة عليه بجامع تلمسان القديم سنة 523 قال أخبرني الحافظ أبو علي الصدفي قراءة عليه بجامع مرسية سنة 511 قال نا الشيخ الصالح أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار قراءة مني عليه بمدينة السلام والشيخ الأجل أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون قالا نا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد ويعرف بابن زوج الحرة قال أنا أبو علي الحسن بن محمد المروزي عن أبي العباس المروزي هو المحبوبي عن أبي عيسى الترمذي قال نا قتيبة نا ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أكل أحدكم طعاماً فسقطت لقمته فليمط ما رابه منها ثم ليطمعها ولا يدعها للشيطان قال أبو زكريا ابن عصفور هذا سند عال وهو حديث صحيح خرجه مسلم من طرق وقرأت هذا الحديث على الفقيه الأجل أبي عبد الله بن عبد الحق وحدثني به عن أبي رحمه الله بسنده وعن غيره من شيوخه قلت وقد حدثنا به القاضي أبو الخطاب أحمد بن محمد بن واجب بقراتي عليه بجامع بلنسية جبرها الله عن القاضي أبي عبد الله بن سعادة سماعاً عن القاضي أبي علي الصدفي سماعاً عليه مراراً وأبو الخطاب أيضاً عن ابن العربي والسلفي إجازة عن المبارك بن عبد الجبار وكتب إلى أبو الحسن بن منصور عن أبي الفضل بن ناصر وأبي الفتح بن البطي وغيرهما عن أبي الفضل بن خيرون وهذا السند هو العالي لا ما ذكر قبل.
محمد بن أغلب بن أبي الدوس أبو بكر المرسي 
قال ابن الزبير: أستاذ نحوي أديب، أخذ عن الأعلم وتأدب به، ولازمه، وسكن تلمسان، وأقرأ بها العربية والأدب إلى أن مات بها، وألف وقيد، وروى عنه أبو بكر بن معاذ اللخمي، وأبو العباس بن الصقر.
الحسين بن يوسف بن يحيى بن أحمد الحسيني السبتي  أبو علي 
نزيل تلمسان. قال في تاريخ غرناطة: كان شريفا ظريفا، شاعرا أديبا لوذعيا  مهذبا، له معرفة بالعربية، ومشاركة في الأصول والفروع، حج ودخل غرناطة  وولي القضاء ببلاد مختلفة، ثم قضاء الجماعة بتلمسان. ولد سنة ثلاث وستين وستمائة، ومات يوم الاثنين سابع عشرى شوال سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة.
 يوسف بن محمد بن يوسف التوزري التلمساني، أبو الفضل، المعروف بابن النحوي.
ناظم (المنفرجة) التي مطلعها:
اشتدي أزمة تنفرجي
كان فقيها يميل إلى الاجتهاد، من أهل تلمسان.
أصله من توزر، سكن سجلماسة، وتوفي بقلعة بني حماد من أعمال قسنطينة قرب بجاية، وله تصانيف.
قال الزركلي: والمنفرجة شرحها كثيرون، وخمّسها بعضهم، وفي نسبتها إلى صاحب الترجمة خلاف.توفي سنة  513 هـ.
محمد بن يوسف بن مفرج بن سعادة أبو بكر وأبو عبد الله الإشبيلي
نزيل تلمسان مقرئ محقق، قرأ على شريح وأحمد بن محمد بن حرب المسيلي وروى الحروف عن أبي محمد بن عتاب، قرأ عليه أحمد بن علي بن عون الله الحصار وعبد الله بن لب وروى عنه الشاطبي شرح الهداية للمهدوي في حياته ومات قبله بعشر سنين، قال الأبار: وكان مقرئاً فاضلاً ومحدثاً ضابطاً أخذ الناس عنه وعمر وأسنّ، وتوفي سنة ستمائة.
جابر بن أحمد بن ابراهيم القرشي الحسني
من أهل تلمسان يكنى أبا الحسن روى عن أبي بكر بن خير وأبي القاسم السهيلي وأبي محمد بن عبيد الله وأبي الحسن نجبة بن يحيى وأبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن وأبي الوليد يزيد بن بقي وأبي الحسن بن مؤمن وأبي موسى عمران بن موسى التليدي وغيرهم أجاز له أكثرهم وكان من أهل العناية بالرواية والمعرفة بأسماء الرجال وجمع مشيخة ابن خير على حروف المعجم فأفاد بها وحدث وأخذ عنه أبو زيد الفازازي وغيره وقيل أنه دخل إشبيلية وقال التجيبي في معجم مشيخته جابر بن أحمد بن إبراهيم القرشي المسفر من أصحابي الآخذين عني بتلمسان عند قدومي من البلاد المشرقية كتب عني كثيرا وكان زكيا جليلا نبيلا صاحب أدب ولغة محبا في الحديث وتحصيله وكانت له إجازات من مشايخ من أهل الحديث وعناية بفنه وطرقه قال وتوفي بتلمسان ولم يذكر تاريخ وفاته.
حسن بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي سهيل يكنى أبا علي ويعرف بابن زكون
أصله من تلمسان ونزل مدينة فاس وكتب بها عن أبي موسى بن الملجوم ودخل الأندلس فسمع بقرطبة من أبي محمد بن عتاب وبمرسية من أبي علي بن سكرة وأبي محمد بن أبي جعفر وله تأليف في الرأي مولده في شعبان سنة أربع وثمانين وأربعمائة وتوفي ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة.
حبيب السلمي
من ولده عبد الملك بن حبيب، أقرأ القرآن بتونس وهو من أهل قرطبة وولي القضاء بها ليحيى بن إسحاق في تجوله بالعدوة وانتقل بأخرة إلى تلمسان وسكنها وهنالك اغتيل في سنة خمس وعشرين وستمائة أو نحوها وابنه عبد الملك بن حبيب كان ببجاية.
محمد بن يخلفتن بن أحمد بن تنفليت التجيبي الفازازي
من أهل تلمسان يكنى أبا عبد الله روى عن أبي عبد الله التجيبي مقدمه من المشرق وروى أيضا عن غيره وكان من أهل العلم بالآداب والمشاركة في الفقه متقدما في الكتابة والشعر وولي قضاء مرسية ثم صرف عن ذلك وولي قضاء قرطبة وكان حميد السيرة حسن السمت جميل الهيئة شديد الهيبة كان بمرسية في رمضان سنة ست عشرة وستمائة فتوجه إلى إشبيلية وكان قائما على حفظ الحديث قيل أنه كان يحفظ صحيح البخاري أو معظمه وتوفي بقرطبة أول منبعث الفتنة في سنة إحدى وعشرين وستمائة.
محمد بن عبد الحق بن سليمان ويعرف بالندرومي
من أهل تلمسان وقاضيها يكنى أبا عبد الله سمع من أبيه وتفقه به وبأبي علي بن الجهار النحوي وأخذ عنهما العربية والآداب وأخذ القراءات عن أبي علي  في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة وسمع الحديث من أبي محمد بن عبيد الله وأبي الحسن بن حنين وأبي عبد الله بن خليل وأبي القاسم بن حبيش وأبي زيد السهيلي ولقي أبا بكر بن الجد وأبا الحسن نجبة بن يحيى وأبا عبد الله بن الفخار وأبا العباس بن مضاء وجالسهم وكتب إليه أبو الحسن بن هذيل وأبو بكر بن نمارة وأبو الحسن بن النعمة وأبو القاسم بن بشكوال وأبو بكر بن رزق وأبو العباس الخروبي وأبو بكر بن خير وجماعة من أعلام أهل الأندلس ومن أهل المشرق أبو الطاهر بن عوف وأبو عبد الله الحضرمي وأبو طاهر السلفي وأبو طالب التنوخي وغيرهم ودخل الأندلس وولي قضاء بلده وكان حميد السيرة مشاركا في الفقه وعلم الكلام معنيا بالحديث وروايته جوادا واسع المروءة معظما عند الخاصة والعامة وجمع من الدفاتر والدواوين العتيقة وله تواليف في فنون منها كتاب الاقتضاب في غريب الموطأ وإعرابه اقتضبه من الكتاب الكبير المختار الجامع بين المنتفى والاستذكار في عشرين سفرا أو نحوها يشتمل على نحو ثلاثة آلاف ورقة وكتاب إرشاد المسترشد وبغية المريد المستبصر المجتهد والفيصل الجازم في فضيلة العلم والعالم حدث ودرس وأخذ عنه وغيره أمتن تحصيلا منه وأحسن تصرفا وتوفي بتلمسان سنة خمس وعشرين وستمائة وقد نيف على الثمانين.

عبد الرحمن بن محمد بن أحمد المكتب من أهل شاطبة

ونزل تلمسان يكنى أبا زيد روى عن أبي محمد بن أيوب الحديث المسلسل في الأخذ باليد وكان رجلا صالحا حدث عنه أبو عبد الله بن عبد الحق التلمساني وسمع منه هذا الحديث بشرطه.
عبد الرحيم بن جعفر المزياتي
من أهل تلمسان يكنى أبا القاسم كان فقيها حافظا للرأي أخذ عنه أبو عبد الله بن الحسين الأدلسي وتفقه به وقال لم ألق أحفظ منه لمسائل المدونة إلا أفرادا من الرجال ولم تكن له عناية برواية الحديث غلب عليه علم الرأي ذكره أبو عمر بن عياد ولم ينص على دخوله الأندلس في شيء من الكتب فأشكل هذا على بعضهم.
 علي بن أبي القاسم بن عبد الرحمن
من أهل تلمسان يعرف بابن أبي جنون ويكنى أبا الحسن روى عن أبي عبد الله الخولاني وأبي عمران بن أبي علي بن سكرة سمع منهم بالأندلس وولي قضاء الجماعة بمراكش وكان عالما حافظا سيدا جوادا وله مختصر في أصول الفقه سماه المقتضب الأشفى من أصول المستصفى وسمع منه ذكره أبو عبد الله بن عبد الحق التلمساني وروى عنه هو وأبو المجد عقيل بن عطية وأبو الخطاب بن الجميل وغيرهم وكان حيا في آخر عشر الثمانين وخمس مائة.
فتح بن يحيى بن سلمة بن مهدي المرادي الكفيف أندلسي
سكن تلمسان يكنى أبا نصر أخذ القراءات عن أبي الحسن بن هذيل ببلنسية وعن أبي الأصبغ السماتي بإشبيلية وعن قاسم بن محمد الزقاق وتصدر للإقراء وكان من الحفاظ المتقنين أخذ عنه أبو زكرياء بن عصفور وأكثر من خبره عنه.
يحيى بن محمد بن إلياس الأزدي
 أندلسي نزل تلمسان يكنى أبا زكرياء ذكره التجيبي وقال سمع علي في سنة ست وسبعين وخمسمائة قال وكان عدلا مقيدا محققا وأنشدني بتلمسان عن الشريف أبي علي بن سمعان العلوي بما أنشده ببجاية:
  إذا ما ذنوبي تذكرتها     وضعت يميني على جؤجؤي 
 وأسندت خدي لراحتها     وأرسلت دمعي كاللؤلؤ

يحيى بن سعيد بن مسعود المقرىء
 أندلسي نزل تلمسان ويكنى أبا زكرياء ويعرف بالقلني وقلنة من بلاد الثغر الشرقي تصدر بتلمسان للإقراء وأخذ عنه وكان مقرئا نحويا لغويا حافظا له شعر كثير معظمه في الوعظ والزهد قال التجيبي أنشدني لنفسه:
 عفوك اللهم عنا خير شيء نتمنا     رب إنا قد جهلنا في الذي قد كان منا
وخطئنا وخطلنا ولهونا ومجنا         إن نكن رب أسأنا ما أسأنا بك ظنا 

 وقال أبو العباس بن المزين:
 لقيته بتلمسان وقرأت عليه آيات من القرآن بالقراءات السبع وأجاز لي في جمادى الأولى عام 600.
أبو عبد اللَّه الندرومي
هو أبو عبد اللَّه محمد بن سحنون، ويعرف بالندرومي منسوباً إلى ندرومة من نظر مدينة تلمسان، وهو كومي أيضاً ينسب إلى قبيلة، جليل القدر، فاضل النفس، محب للفضائل، حاد الذهن، مفرط الذكاء، ومولده بقرطبة في نحو سنة ثمانين وخمسمائة، ونشأ بقرطبة، ثم انتقل إلى إشبيلية، وكان قد لحق القاضي أبا الوليد بن رشد واشتغل عليه بصناعة الطب، واشتغل أيضاً على أبي الحجاج يوسف بن موراطير، والندرومي من جملة المتميزين في علم الأدب والعربية وسمع كثيراً من الحديث، وخدم الناصر في آخر دولته بصناعة الطب، وخدم بعده لولده المستنصر، وأقام بإشبيلية، وخدم بعد ذلك النجاء سالم بن هود، ولأخيه أبي عبد اللَّه بن هود صاحب الأندلس، ولأبي عبد اللَّه الندرومي من الكتب اختصار كتاب المستصفى للغزالي.
الشيخ الشريف القاضي المعمر أبو علي حسن بن يوسف بن يحيى الحسيني السبتي
 أدرك أبا الحسين ابن أبي الربيع وأبا القاسم العزفي واختص بابن عبيدة وابن الشاط ثم رحل إلى المشرق فلقي ابن دقيق العيد وحلبته ثم قفل فاستوطن تلمسان إلى أن مات بها سنة أربع وخمسين أو ثلاث وخمسين وسبعمائة قرأ على المقري حديث الرحمة وهو أول حديث سمعه منه حدثه الحسن بن علي بن عيسى ابن الحسن اللخمي وهو أول حديث سمعه منه أخبره علي بن المظفر بن القاسم الدمشقي وهو أول حديث سمعه منه أخبره أبو الفرج محمد بن عبد الرحمن بن أبي العز الواسطي وهو أول حديث سمعه منه أخبره أبو العز عبد المغيث بن زهير وهو أول حديث سمعه منه أخبره زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي وهو أول حديث سمعه منه عن عمرو ابن دينار عن أبي قابوس مولى لعبد الله بن عمرو بن العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله قال الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.
قال الشريف قال لي القاضي أبو العباس الرندي لما قدم أبو العباس ابن الغماز من بلنسية نزل بجاية فجلس بها في الشهود مع عبد الحق بن ربيع
فجاء عبد الحق يوما وعليه برنس أبيض وقد حسنت شارته وكملت هيأته فلما نظر إليه ابن الغماز أنشده
 لبس البرنس الفقيه فباهى     ورأى أنه المليح فتاها
لو زليخا رأته حين تبدى         لتمنته أن يكون فتاها

وقال أن ابن الغماز جلس لارتقاب الهلال بجامع الزيتونة فنزل الشهود من المئذنة وأخبروا أنهم لم يهلوه وجاء حفيد له صغير فأخبره أنه أهله فردهم معه فأراهم إياه فقال ما أشبه الليلة بالبارحة وقع لنا مثل هذا مع أبي الربيع ابن سالم فأنشدنا فيه
توارى هلال الأفق عن أعين الورى     وأرخى حجاب الغيم دون محياه 
فلما تصدى لارتقاب شقيقه         تبدى له دون الأنام فحياه 

قال الشريف: أول زجل عمل في الدنيا
 بالله يا طير مدلل         مر بي وسط القفار
إياك تجدد لعاده         ترمي حجيرة في داري
 
محمد بن أحمد بن علي الشريف الإدريسي أبو عبد الله التلمساني
هو الإمام العلامة الأصولي الفقيه صاحب النسب الشريف إذ ينتهي نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، قال ابن خلدون: كان أهل بيته لا يدافعون في نسبهم وربما يغمز فيه بعض الفجرة ممن لا يزعه دينه ولا معرفته بالأنساب، فيعد من اللغو ولا يلتفت إليه ولد سنة عشر وسبعمائة 710 هـ، في أسرة علم وتقوى وشرف ونباهة ونبل وصلاح وحسن تدين قال الحجوي: بيتهم بيت علم خصت تراجمهم بالتآليف
فقد كان أبوه أو العباس شيخا فقيها جليل القدر وجيها عدلا، وكان خاله عبد الكريم من أهل العفة والصلاح محبا للعلم والعلماء.
كان رحمه الله تعالى أمينا مأمونا حافظا لسره مالكا لزمام نفسه يركن إليه أهل الدنيا والدين من القريب والبعيد فكان قاضي قسنطينة حسن بن باديس وضع عنده أمانة في قرطاس فوضعها في بيته فلما طلبه صاحبه أخرجها فوجد مكتوبا على ظاهر القرطاس مئة ذهب، فحله وعدها فإذا خمس وسبعون ذهبا، فزاد فيها خمسة وعشرين، فأعطاه له فمكث عنده يومين فرجع إليه وقال: يا سيدي وجدت الأمانة زيادة خمسة وعشرين فقال: إنما لم أعدها عند أخذها منك فلما وقع بصري على الخط اختبرتها فلم أجد العدد فكملتها ظانا ضياعها عندي، فقال: يا سيدي لم أعط إلا خمسة وسبعين فرد الزيادة وشكره وحمد الله على وجود مثله.
ومن صفاته رحمه الله تعالى أنه لا يماري العلماء في مجالس الملوك ولا يرد على أحد ولا يخطئ المفسرين، ولا ينصر العامة ولا يجرئهم على المعاصي بل يعظم منصب العلم.
هذا ومن جميل صفاته رحمه تعالى أنه كان متمسكا بالسنة راكنا لأهلها كثير اتباع السلف شديدا على أهل البدع ذا بأس وقوة في نصر الحق لا تشاهد في قطره بدعة ولا تهتك عنده حرمة ولا يضع أسرار الشريعة في غير محلها.
اكتسب بذلك ثقة الملوك وعلماء العصر حتى كان السلطان أبو سعيد يحبه حبا شديدا ويخاطبه بسيدي.
وكان شيخه ابن هدية يقول: كل فقيه قرأ في زماننا هذا أخذ ما قدر له من العلم ووقف إلا أبا عبد الله الحسني فإن اجتهاده يزيد والله أعلم حيث ينتهي أمره.
وقال البشير الإبراهيمي عنه: لم ينقل لنا تاريخ العلماء بهذا الوطن أن عالما ختم تفسير القرآن كله درسا إلا ما جاء فيه عن الشريف التلمساني.
بل حتى ملوك الزمان شهدوا له بالعلم: فلما اجتمع عند السلطان أبي عنان أمر الفقيه العالم الحافظ القاضي أبا عبد الله المقري بإقراء التفسير فامتنع منه وقال: أبو عبد الله الشريف أولى مني بذلك، فقال له السلطان: إنك عالم بعلوم القرآن وأهل لتفسيره فاقرأه.
قال له: إن أبا عبد الله أعلم بذلك مني فلا يسعني الإقراء بحضرته، فعجبوا من إنصافه: ففسر أبو عبد الله بحضرة كافة علماء المغرب مجلسا في دار السلطان ونزل عن سرير ملكه وجلس معهم على الحصير فنبع منه ينابيع الحكمة ما أدهش الحاضرين وأتى بما لم يحيطوا به حتى قال السلطان عند فراغه: إني لأرى العلم يخرج من منابت شعره.
وقال عنه الآبلي: هو أوفر من قرأ علي عقلا وأكثرهم تحصيلا، وكان أبو عبد الله محمد بن عبد السلام القاضي يقول: ما أظن أن في المغرب مثل هذا.
وقال عنه أبو عبد الله محمد بن عبد السلام: ما أظن أن في المغرب مثل هذا.
عاش أبو عبد الله الشريف إحدى وستين سنة عكف معظم هذه الحقبة من عمره على تحصيل العلوم النقلية والعقلية وخالط من علماء المغرب العربي الكبير ما لا يحصى وما عاينه من المكتبات في شتى الفنون من مختلف البلدان التي رحل إليها ما أظهرت قوة عقله وعارضته وأكدت إمامته ثم أقبل على التدريس فكان يقرأ الفقه وفي غالبه من المدونة لابن القاسم، ودأب على تفسير القرآن خمسا وعشرين سنة يفسر كل يوم ربع حزب منه بحضرة أكابر الملوك والعلماء وصدور الطلبة وما وسعه من وقت أقبل فيه على التأليف والإجابة على الأسئلة الوافدة عليه.
فله من المؤلفات رحمه الله تعالى مفتاح الوصول ومثارات الغلط وشرح جمل الخونجي كتاب في القضاء والقدر كتاب في المعاوضات أو المعاطات كما رد على رسائل كثيرة حول ثبوت الشرف من جهة الأم ومسألة من أوصى بثلث ماله واشترط أنه لا يرجع في وصيته ومسألة رجوع المنفق فيما أنفقه ومسألة شرح حديث حبب إلي من دنياكم ثلاثة وغيرها من المسائل.
وكغيره من العلماء تعرض الشريف التلمساني لمحنة عظيمة، وهي أنه لما انحل نظام ملك السلطان أبي سعيد أوصاه على ولده وعرض عليه مالا وديعة فامتنع بالكلية فأودعها عند غيره وأشهده عليها ثم رفع أمر الوديعة للسلطان أبي عنان بعد ملكه وانتزع الوديعة وسخط على الشريف وعاتبه عتابا شديدا وامتن عليه بتقريبه ورفعه على العلماء فقال له الشريف: إنما عندي شهادة لا يجب علي رفعها بل سترها، وأما تقريبك إياي فقد ضرني أكثر مما نفعني ونقص به ديني وعلمي وشدد القول على السلطان فغضب لذلك وأمر بسجنه واتفق أن حل عقب ذلك شيخ أعراب إفريقية يسمى يعقوب بن علي على السلطان فسأله عما يقول الناس عنه بإفريقية فقال: خيرا غير أنهم سمعوا بسجنك عالما شريفا كبير القدر فلامك فيه الخاصة والعامة.
فأمر بإطلاق سراحه سنة 756هـ بعد أشهر من اعتقاله وأمر بالإحسان إليه وأقصاه ثم أعاده إلى مجلسه وما زال السلطان يعتذر له إلى أن مات سنة 759هـ.
 هذا وبعدما استقر أبو حمو الثاني بتلمسان، استدعى في أول إمارته  أبا عبد الله الشريف التلمساني من فاس فسرحه القائم بالأمر يومئذ الوزير عمر بن عبد الله وتلقاه أبو حمو براحتيه وبنى له مدرسة وكلفه بتدريس العلم فيها، فأقام الشريف يبث العلم من خامس شهر صفر سنة 765هـ فختم تفسير القرآن وبقي ينشر العلم إقراء وتأليفا ونسخا، ولما كانت سنة وفاته وصل في التفسير إلى قوله تعالى: يستبشرون بنعمة من الله وفضل، فمرض ثمانية عشر يوما ثم مات ليلة الأحد رابع ذي الحجة سنة 771ه فرثاه الفقيه أبو علي حسن بن إبراهيم بن سبع بقصيدة طويلة، وتأسف السلطان أبو حمو لموته أكثر من سواه، فكثيرا ما كان يرسله سفيرا إلى المغرب وتونس، فحضر جنازته وأمر أن يدفن عند قبر والده أبي يعقوب بالمدرسة اليعقوبية، وأرسل أبو حمو إلى ولده أبي محمد عبد الله فأكرمه وقال: ما مات من خلفك وإنما مات أبوك لي لأنني أباهي به الملوك، ثم ولاه مدرسة والده ورتب له جميع مرتباته.
   
أبو أحمد عبد الله بن محمد بن أحمد بن علي الإدريسي الحسني التلمساني

كان أبو محمد من أكابر علماء تلمسان ومحققيهم نظارا بارعا كأبيه، قال ابن خلدون: الفقيه أبو محمد من علية الفقهاء وصدور المدرسين.
ولد سنة 748 هـ أخذ عن أبيه وأبي عمران العبدوسي والخطيب بن مرزوق وغيرهم فأتقن مختلف العلوم حفظا وفهما ثم جلس للإقراء والتدريس بتلمسان في حياة أبيه ثم خلفه بعد موته بالمدرسة اليعقوبية فانتفع به الطلبة وارتحلوا إليه من سائر أنحاء المغرب الأوسط –الجزائر- والأقصى أخذ عنه ابن مرزوق الحفيد وغيره من العلماء ثم رحل إلى الأندلس ودخل غرناطة فأقرأ بها مدة فنشر العلم ببلده وبالأندلس فقها وحديثا وتفسيرا.
وفي أثناء عودته من مالقة إلى تلمسان توفي غريقا في البحر سنة 792 هـ له فتاوى في المعيار وفي نوازل مازونة.

أبو يحيى عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الشريف التلمساني المعروف بأبي يحيى
وصفه الونشريسي في المعيار فقال: سيد الشرفاء وشريف العلماء.
كان رحمه الله تعالى علامة محققا نظارا آية في القيام بتحقيق العلوم والإتقان لها ومعرفتها، قال ابن مرزوق الحفيد: هو سيدنا الشريف العلامة.
ولد أبو يحيى سنة 757هـ السنة التي مات فيها السلطان العلامة أبو عنان المريني، تفقه أبو يحيى على أبيه وقرأ كتاب ابن الحاجب الأصلي ومثارات الغلط لأبيه وبعد وفاة أبيه اجتهد على أخيه أبي محمد عبد الله كما أخذ عن أبي عثمان سعيد بن محمد العقباني التجيبي وغيرهم وأخذ عنه ابن مرزوق الحفيد وابن زاغوا وأثنيا عليه.
ولما مرض أخوه عبد الله أمره بالجلوس في موضعه للإقراء فامتنع تأدبا حتى عزم عليه فساعفه سنة 784هـ، له كتاب على سورة الفتح على غاية في التحقيق وفتاوى في المعيار وفي نوازل مازونة، توفي رحمه الله تعالى سنة 826هـ.
الشيخ العالم المحدث أبو عبد الله محمد بن الحسن بن مخلوف الراشدي المعروف بابركان (يعني الأسود بالبربرية)
فقيه مالكي محدث من أهل تلمسان مؤلف الزند الواري في ضبط رجال البخاري " و" فتح المبهم في ضبط رجال مسلم." و" المشرع المهيأ في ضبط مشكل رجال الموطأ. " وغيرها.
محنته وسفره الى فاس:
في أول محرم سنة 874 هـ وكان قد بلغ الأربعين من عمره وذاع صيته في تلمسان والمغرب العربي واشتهر بعلمه وفقهه وشدته في قول الحق وانه قوال للحق لا تأخذه في الله لومة لائم وذلك في تيئة انتشرت فيها الاضطرابات والمشاكل السياسية، فانتشرت اللصوصية والظلم والضرار وتهريب السلاح والمصادمات الجماعية والاوبئة والمجاعات ونحوها، وهي الدوافع التي ارغمت الناس على مغادرة منازلهم وأوطانهم، فالحروب والغارات لم تسمح للفلاحين بالقيام بزراعة الاوض وتوفير الانتاج، وانعدام الامن وتراخي قبضة السلطان جعلت الناس يفتقدون العدل في الحكم ويعتمدون على انفسهم في نيل حقوقهم، وهكذا اصبح العلماء والقضاة، هم الذين يقومون بالسهر على تنفيذ القانون وانى لهم ذلك في مجتمع يسوده الفساد والاضطراب، وهكذا تعرض العلماء إلى مضايقات الحكام وظلمهم لصدعهم بكلمة الحق، ومنهم مترجمنا الذي غضب عليه السلطان أبو ثابت الزياني فأمر بنهب داره فخرج فارا بدينه وأهله إلى مدينة فاس بالمغرب الأقصى سنة 874 هـ،
إقامته بمدينة فاس المضيافة:
لما وصل فارا الى مدينة فاس استقبلته هذه البلدة الطيبة استقبالا رائعا، ولقي من أهلها كل ترحيب وتبجيل، فقد احتفى به علمائها وفقهائها، وأقبل عليه العلماء وطلبة العلم ينهلون من دروسه وفقهه ما جعله ينسى غربته، ويستقر فيها هو وأهله، حتى وفاته رحمه الله، وبمدينة فاس كان يحضر مجلس القاضي محمد بن محمد بن عبد الله اليفرني الشهير بالقاضي المكناسي ( ت 917 هـ )، كما أخذ العلم عن معاصره  الامام المسند المحدث المقرئ ابن غازي المكناسي ( ت 919 )،وقد اجازه بجميع مروياته وفهرسته المسماة (التعلل برسوم الإسناد) وقد قام بتحقيقها الاستاذ محمد الزاهي، ونشرتها دار المغرب الدار البيضاء: 1399هـ/1979هـ.وقد ذكره تلميذه الونشريسي في فهرسته فقال عنه: كان متقدما في الحديث حافظا له واقفا على أحوال رجاله وطبقاتهم ضابطا لذلك كله مقنيا به ذاكرا للسير والمغازي والتواريخ والأدب فاق في ذلك حلة أهل زمانه وألف في الحديث حاشية علي البخاري في أربعة كراريس وهي أنزل تواليفه واستنبط من حديث أبا عمير ما فعل التغير مائتي فائدة وله في التاريخ الروض الهتون وفهرسة شيوخه وكان يسمع في كل شهر رمضان صحيح البخاري قال وبالجملة فهو آخر المقرئين وخاتمة المحدثين" [ عبد الحي الكتاني فهرس الفهارس: (2 / 892)].وهكذا العالم الحقيقي فان كبر سنه وما بلغه من علم وفقه لم يمنعاه من طلب العلم والجلوس للأخذ والتلقى عن العلماء.وأقبل عليه طلاب العلم يستفيدون من دروسه ومجالسه، فكان يدرس المدونة ومختصر ابن حاجب الفرعي،
وعلوم العربية من نحو وصرف وبلاغة.قال المنجور في فهرسته ص 50: " وكان مشاركا في فنون من العلم حسب ما تظمنت فهرسته …..وكان فصيح اللسان والقلم، حتى كان بعض من يحضر تدريسه يقول: لو حضر سيبويه لأخذ النحو من فيه، أو عبارة نحو هذا ".واشتهر اكثر ما اشتهر بالفتوى والفقه، فكان الناس يقصدونه من كل صوب يستفتونه، كما راسله العلماء يطلبون منه الافتاء والرأي.
تلاميذه:
استفاد من علمه وفقهه وتخرج على يديه عدد من الفقهاء الذين بلغوا درجات عليا في التدريس والقضاء والفتيا منهم:
- ولده عبد الواحد الونشريسيي، شهيد المحراب قاضي فاس ومفتيها ( ت 955 هـ )
- محمد بن محمد ابن الغرديس التغلبي قاضي فاس وابن قاضيها ( ت 976 هـ )،
- محمد بن عبد الجبار الورتدغيري المحدث الفقيه ( ت 956 هـ )،
- ابن هارون المطغري،أبو الحسن علي بن موسي بن علي ابن موسى بن هارون وبه عرف من مطغرة تلمسان " الإمام العلامة المؤرخ المتفنن مفتي فاس وخطيب جامع القرويين، توفي بفاس سنة 951 وقد ناف على الثمانين " وغيرهم خلق كثير.
آثاره:
 المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى إفريقية والمغرب.
 إيضاح المسالك الى قواعد الإمام مالك
 القواعد في الفقه المالكي.
- تعليق على ابن الحاجب.
- المنهج الفائق، والمنهل الرائق في أحكام الوثائق.
- غنية المعاصر والتالي على وثائق الفشتالي.
- اضاءة الحلك في الرد على من أفتى بتضمين الراعي المشترك.
- الولايات في مناصب الحكومة الاسلامية والخطط الشرعية.
- المختصر من أحكام البرزلي.
- الفروق في مسائل الفقه.
وغيرها.
وفاته:
توفي رحمه الله يوم الثلاثاء موفى عشرين من صفر سنة 914 هـ، وقد ناف عن 80 عاما بمدينة فاس ودفن بها.
إذا ذكرت مفاخر أهل فاس     ذكرنا من أتى من تلمسان
وقلنا هل رأيتم في قضاة         شبيها للفقيه العدل ثاني