7:42 6:19 3:57 1:03 6:19
 
خطأ
  • XML Parsing Error at 1:337. Error 9: Invalid character

nar الحمد لله الذي أرشدنا إلى سبيل الصلاح والهداية، وحذرنا من سبل الضلال والغواية؛ وصلى الله وسلم على محمد النبي الأمي الذي لم يترك خيرا يقربنا من الجنة إلا أرشدنا إليه ورغبنا في طريقه، ولا شرا يهوي بنا في النار إلا حذرنا منه ورهبنا من مسالكه؛ وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، الذين دحضوا المحدثات والبدع بالقلم والبنان، ونافحوا عن السنن وبينوها أحسن بيان. 

أما بعد، فهذا بحث حديثي لطيف، في بيان صحة زيادة ﴿وكل ضلالة في النار﴾ الواردة من طريق عبد الله بن المبارك في حديث جابر-رضي الله عنه- في خطبة الحاجة؛ وذلك لأني استمعت –منذ شهور- إلى خطيب مسجد بالعاصمة يذكر خطبة الحاجة ثم يختمها بقوله: "ولا أقول كل ضلالة في النار لأنها لم ترد في أصل الحديث".

فأول ما تبادر إلى ذهني حينها أنه يقصد طريق النسائي التي جاءت فيها هذه الزيادة؛ ثم انشغلت بالإنصات للخطبة والصلاة؛ وبحثت –فيما بعد- عن سلف له في ذلك، فعثرت على كلام للشيخ عمرو عبد اللطيف المصري-رحمه الله- خلص فيه إلى تضعيف هذه الجملة بنفس معنى ما قاله ذاك الخطيب. ولم أكن لأواصل البحث لولا أني رأيت الشيخ الفاضل يستدل، فيما يذهب إليه، بكلام لابن تيمية فحواه أن هذه الزيادة ضعيفة عنده هو كذلك.

وقد أعلّ الشيخ عمرو في مقدمته لـ: "أحاديث ومرويات في الميزان" هذه الجملة من الحديث بالشذوذ، وأن(عبد الله بن المبارك خالف "جمهور أصحاب جعفر بن محمد"، وأن هذه "اللفظة" قد "تحاشاها" مسلم في "صحيحه" وكذلك ابن حبان وأوردها ابن خزيمة بالتحويل). منتهجا كما يبدو من تعليله قاعدة بنى عليها بحثه في أن الشاذ هو ما خالف الثقة فيه غيره ممن هم أكثر منه عددا فقط، دون النظر إلى حال الراوي أو الإعتبار بما أصله أهل هذا الفن في باب زيادة الثقة, أومحاولة التوفيق بين "أصل الحديث" والزيادات الواردة عليه، وضمها إليه  بشروطها.

ولما كان الشيخ ناصر الدين الألباني –رحمه الله- قد أفاض علما وتحقيقا في رسالته "خطبة الحاجة" مبينا مخرج هذا الحديث وصحته بما أغنى عن إعادة البحث في"أصل الحديث"، وأن رسالته متوفرة بطبعات مختلفة، بقي النظر فيما ادعاه الشيخ عمرو عبد اللطيف من تضعيف لهذه الزيادة ورميها بالشذوذ. فأقول مستعينا بالله وحده في ذلك:

أخرج حديث جابر في خطبة الحاجة بهذه الزيادة: النسائي في "السنن"(3/188-189)، وفي "الكبرى"(5861 و1799)، وابن خزيمة في "الصحيح"(1875)، والفريابي في "القدر"(447)، ومن طريقه الآجري في "الشريعة"(90)، وكذا البيهقي في "الإعتقاد"(ص127) وفي "الأسماء والصفات"(103-104)، وأبو نعيم في "الحلية"(3/189) وفي "المستخرج على صحيح مسلم"(2/455)، وابن بطة في "الإبانة"(1491)؛ كلهم من طريق عبد الله بن المبارك حدثنا سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر به. وزاد في آخره ﴿ وكل ضلالة في النار ﴾.

قال الشيخ عمرو –تعليقا في الهامش- بعدما ذكر خطبة الحاجة بدون هذه الزيادة: "هذا هو الثابت المحفوظ... كما رواه عنه جمهور أصحاب جعفر..." ثم قال: "وخالف جميع هؤلاء عبد الله بن المبارك.."

قلت: إن المخالف لهؤلاء، بالنظر إلى طبقة الرواة، إنما هو سفيان الثوري وليس ابن المبارك، لأنه لم يذكر في الرواة عن جعفر بن محمد، ولا ذكر هذا في طبقة شيوخه. فعبارة الشيخ غير مستقيمة، وكان عليه أن يقول: "هذه الزيادة لم ترد إلا من طريق ابن المبارك عن سفيان" أو "لم يأت بها إلا عبد الله بن المبارك"، أو عبارة أخرى بمعناها؛ لأن هذا هو الواقع؛ لا سيما إذا علمت أن مسلما قد رواه من طريق وكيع عن سفيان بدون الزيادة المذكورة كما قد يوحي به صنيعه في "الصحيح" والذي اغتر به الشيخ في تعليله؛ لكن رواه أبو نعيم  في "المستخرج" من نفس الطريق عن وكيع عن سفيان كذلك، بأتم منه وبذكر هذه الزيادة، وسنذكرها فيما بعد.

المهم الآن ذكر عبد الله بن المبارك لهذه الزيادة في حديث جابر، ودعوى ضعفها باعتبار مفهوم الشذوذ في تعليل الشيخ عمرو من جهة، وباعتبار ظوابط زيادة الثقة عند أهل الفن من جهة أخرى. وقد أشار الدارقطني إلى هذا المبحث، وبين أن زيادة الثقة لا تعتبر شاذة في كل الحالات؛ فذكر السلمي في "سؤالاته": "أن الدارقطني سئل عن الحديث إذا اختلف فيه الثقات ؟ قال: ينظر ما اجتمع عليه ثقتان فيحكم بصحته، أو من جاء بزيادة فتقبل من متقن، ويحكم لأكثرهمحفظا، ويبنى على ما دونه". ذكر الحافظ قوله هذا في "النكت"(2/689) وأضاف: "وقد استعمل الدارقطني ذلك في "العلل" و"السنن" كثيرا".

وكان الإمام مسلم قد جلى هذه المسألة  حيث قال  في "مقدمة الصحيح" (في باب بيان ما يتفرد به المحدث من الحديث): "أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض مارووا وأمعن في ذلك على الموافقة لهم إذا وجد ذلك، ثم إذا زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه قبلت زيادته ".

وللحافظ ابن حجر كذلك كلام نفيس حول زيادة الثقة، وضرورة النظر في مراتب الرواة وأحوالهم، حيث علق في "النكت"(2/693) على قول ابن الصلاح:

"والذي نختاره أن الزيادة مقبولة إذا كان راويها عدلا حافظا ومتقنا ضابطا" قال الحافظ: "قلت: وهو توسط بين المذهبين، فلا ترد الزيادة من الثقة مطلقا، ولا نقبلها مطلقا؛ وقد تقدم مثله عن ابن خزيمة وغيره، وكذا قال ابن طاهر: إن الزيادة إنما تقبل عند أهل الصنعة من الثقة المجمع عليه".

فانظر إلى كلامهم في هذه المسألة، وشدة تحريهم في قبول زيادة الثقة، مع حرصهم على عدم إنكار أو طرح حديث الثقات من الرواة لمجرد المخالفة أو الزيادة فقط؛ بل بالنظر إلى حال الراوي ومكانته بين أقرانه ومشاركته لهم في الحفظ والإتقان كذلك.

ثم على فرض صحة دعوى الشيخ عمرو في مخالفة ابن المبارك لأولئك الذين ذكر بوصفهم: "جمهور أصحاب جعفر بن محمد"، فهل توهن هذه المخالفة زيادته ؟ جريا معه في دعواه فقط، حتى نتمكن من النظر في ذلك التأصيل الذي ذكرنا عن أئمة هذا الفن والإمعان في تطبيق قواعده. فممن ذكر الشيخ من المخالفين: "عبد الوهاب الثقفي وسليمان بن بلال ووهيب بن خالد ويحيى بن سعيد القطان وعبد العزيز بن محمد ويحيى بن سليم وآخرون".

فإن فيهم من غمز في ضبطه وإتقانه، ومنهم من هو دون مرتبة ابن المبارك وإن كان ثقة؛ ما عدا يحيى بن سعيد القطان "الإمام الثقة المتقن الحافظ القدوة" كما وصفه الحافظ. أما الآخرين، فنكتفي بحكمه عليهم في "التقريب"؛ طلبا لعدم الإطالة لا هربا من تحقيق أحوالهم، واستعجالا لمقارنتهم بمرتبة ابن المبارك وليس تنقيصا لمكانتهم أو حطا من مروياتهم:

                1-عبد الوهاب الثقفي؛ قال الحافظ: "ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين".

                2-وهيب بن خالد؛ قال: "ثقة ثبت لكنه تغير قليلا بآخرة".

                3-عبد العزيز بن محمد؛ قال: "صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطئ".

                4-يحيى بن سليم الطائفي؛ قال الحافظ: "صدوق سيء الحفظ".

                5-سليمان بن بلال؛ قال: "ثقة".

هذه خلاصة بحث الحافظ ابن حجر في أحوال بعض هؤلاء الرواة ممن جعل الشيخ عمرو مخالفة ابن المبارك لهم باعث له في الحكم على تلك الزيادة بالشذوذ. وممن روى حديث جابر بدون الزيادة ولم يذكرهم الشيخ الفاضل بل أشار إليهم بقوله "وآخرون":

                6-محمد بن جعفر بن محمد؛ قال الذهبي في "الميزان": "تكلم فيه"؛ وأقره الحافظ في "اللسان"

                7-مصعب بن سلام؛ قال: "صدوق له أوهام".

                8-أنس بن عياص؛ قال: "ثقة".

أما عبد الله بن المبارك فقد قال فيه الحافظ: "ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد". ولما ترجم له المزي في "التهذيب" قال: "أحد الأئمة الأعلام وحفاظ الإسلام" معنونا بها لما جاء في ترجمته الطويلة، والتي ختمها بقول ابن سعد فيه: "وكان ثقة مأمونا إماما حجة كثير الحديث".

فكيف تعل زيادة هذا "الثقة الثبت الإمام الحجة" ويسلك بها سبيل المخالفة وترمى بالشذوذ؟

ولو لم يكن ابن المبارك بهذه المكانة، لكان مثل من ذكر –غير هؤلاء-أمثال يحيى بن سعيد القطان وأقرانه من أهل التثبت والثقة والحفظ، فقد قدمنا لك أقوال أهل العلم في قبول زيادة الثقة على أقرانه، لاسيما قول ابن الصلاح الواضح ووصف الحافظ له بالوسطية فارجع إليه. ثم إنه قد تابعه وكيع عن سفيان به. هكذا رواه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق أبي بكر بن أبي شيبة وعثمان –مقرونين معا-، ومن طريق سالم بن جنادة عنه بذكر زيادة ﴿وكل ضلالة في النار﴾، ثم أحال على رواية مسلم فقال: "ورواه مسلم عن أبي بكر عن وكيع".

أما ما ادعاه الشيخ عمرو من أن مسلما قد "تحاشا" هذه اللفظة، إنما استنبطه من صنيع مسلم حيث أخرج الحديث في "صحيحه" من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد (الثقفي) عن جعفر به بدون الزيادة المذكورة، ثم ذكر طريق وكيع عن سفيان عن جعفر ولم يسق لفظه بتمامه وإنما قال: "ثم ساق الحديث بمثل حديث الثقفي".

وليس في هذا ما يدل على أن مسلما "تحاشا" تلك اللفظة.. ولو ادعى مدع أنه إنما فعل ذلك ليبين اختلاف لفظ وكيع عن لفظ الثقفي تقديما وتأخيرا، وفي بعض الألفاظ كذلك، لما حاد عن الجادة؛ لأنه أتى في الطريق الثانية بما يبين هذا الاختلاف من تقديم بعض جمل الحديث على غير سياق الطريق الأولى مكتفيا بذلك القدر، ولم يتطرق لذكر "اللفظة" التي نحن بصدد بيان صحتها؛ وجريا على طريقة الشيخ عمرو فإن صنيع أبا نعيم في "المستخرج" ينبئ بأن هذا-أي بذكر الزيادة- هو لفظ وكيع عن سفيان الذي اقتصر مسلم على بعضه وأن الاختلاف فيه مع لفظ الثقفي هو ما ذكرنا لأنه ساقه بتمامه بهذه الزيادة من نفس طريق مسلم وأشار إلى ذلك كما سبق.

ولنسلم مع الشيخ عمرو أن مسلما "تحاشا" هذه الزيادة.. فهل هذا كاف في الطعن في صحتها ؟ كلا.. لأن هذا المسلك لم يذكر في كتب المصطلح كعلة قادحة بل لقد أنكروا على من ادعى أنه لم يفت "الصحيحين" إلا القليل؛ ولولا ذلك لما ألفت المستخرجات على الصحيحين، وإن "مستدرك" الحاكم لخير دليل على ذلك رغم ما انتقد من أحاديثه. قال ابن كثير في "المختصر"(1/109-مع الباعث):

"وقد خرجت كتب كثيرة على "الصحيحين" قد يوجد فيها زيادات مفيدة، وأسانيد جيدة كـ:.... وأبي نعيم.." (يعني مستخرجه). ثم أضاف الشيخ أن "مقتضى صنيع مسلم أن يكون هو لفظ وكيع عن الثوري عن جعفر"، أي موافقا للفظ حديث الثقفي؛ وهذا من أعجب ما رأيت له-رحمه الله- وأبعده عن التحقيق، لأن لفظ وكيع مخالف للفظ الثقفي تقديما وتأخيرا لبعض الجمل وفي بعض الألفاظ كما سبق، وهو من الأسباب التي دعت مسلما لإيراده، فكيف يكون هو لفظ وكيع..؟

ثم ذكر ما ورد في "مجموع الفتاوى"(19/191) من كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية حول هذا الحديث، حيث أورده برواية مسلم، ثم قال: "ولم يقل كل ضلالة في النار"، وأخذ في تعليل ذلك بأنه: "يضل عن الحق من قصد الحق وقد اجتهد في طلبه فعجز عنه فلا يعاتب" إلى أن قال: "وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم لم يعلموا أنه بدعة"؛ فهذا مع أنه رد للزيادة المذكورة من حيث المعنى فقط، فقد ورد عنه عكسه تماما، من تصحيح لها وإستدلال بها وتفسيرها وتوجيه معناها بما يليق به؛ فقال في "اقتضاء الصراط المستقيم"(ص229) بعدما ذكر حديث جابر برواية مسلم: "وفي رواية للنسائي: وكل ضلالة في النار"، ثم بين أن: "هذه قاعدة قد دلت عليها السنة والإجماع مع ما في كتاب الله من الدلالة عليها أيضا" إلى أن قال (ص232): "أما القول إن شر الأمور المحدثات (كذا ؟) وإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، والتحذير من الأمور المحدثات، فهذا نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع، ومن نازع في دلالته فهو مراغم".

فلا يحق لأحد بعد هذا أن يضرب أحد قوليه بالآخر، أو يقدم قوله: "ولم يقل..." على هذا الذي نقلنا لك من "الإقتضاء" لأنه لا يوجد أي دليل على تقديم أحدهما على الآخر؛ إلا أن ما جاء في "الإقتضاء" هو الأقرب إلى مذهبه في هذه المسألة كما هو معلوم عند من خبر علمه أو مارس مؤلفاته؛ ولقد ذكر هذا الحديث في "الفتاوى الكبرى"(3/124-الدليل على إبطال التحليل) فقال: "رواه النسائي بإسناد صحيح، وزاد: فكل بدعة في النار(هكذا في المطبوع ولعله تصحيف)"، واستدل على صحة هذه الزيادة بعمل الصحابة بها فقال: "وكان عمر رضي الله عنه يخطب بهده الخطبة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفا ومرفوعا أنه كان يقول.." فذكره إلى أن قال: "فكل محدثة ضلالة وكل ضلالة في النار" ثم أضاف: "وهذا مشهور عن ابن مسعود وكان يخطب به كل خميس كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب به في الجمع".

فهذا الذي ذكره شيخ الإسلام عن الصحابة من أن هذه اللفظة ﴿ وكل ضلالة في النار ﴾ كانت تقال على المنابر، مع ما نقلنا لك من "الإقتضاء"، هو ما يوجه به كلامه السابق الذي تمسك به الشيخ عمرو حين قال: "ومعناها أيضا غير صحيح كما في مجموع الفتاوى".

وهي كذلك من الشواهد التي يمكن إيرادها لتقوية هذه الزيادة وإثبات صحتها:

أما أثر عمر فقد أخرجه ابن وضاح في "البدع والنهي عنها"(ص24) من طريق عبد الله بن عكيم عن عمر أنه كان يقول: "أصدق القيل قيل الله وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار". وإسنادها صحيح، إلا أنه قوله –في الإسناد-"هلال الوراق" تصحيف أو خطأ مطبعي،صوابه هلال الوزان وهو ابن أبي حميد الصيرفي ثقة من رجال الشيخين.

وأما أثر ابن مسعود فقد ذكر البخاري في "الصحيح" (كتاب العلم-باب من جعل لأهل العلم أياما معلومة) عن أبي وائل قال: "كان عبد الله يذكر الناس كل خميس" ولم يذكر خطبة الحاجة. وهي عند ابن وضاح في "البدع" (ص24) عن رباح النخعي ويحيى بن عقيل عنه. ورواه ابن الأعرابي في "المعجم"(2/568-569) مرفوعا بلفظ: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار"؛ لكن الراجح من كلام أهل العلم أن الموقوف أصح وأرجح.

ولما ذكر البيهقي في "الأسماء والصفات"(ص246) قول ابن مسعود: "إنما هما اثنتان........إلى قوله: وكل ضلالة في النار" قال: "وهذا من قول ابن مسعود رضي الله عنه والظاهر أنه أخذه من النبي صلى الله عليه وسلم". 

ثم اعلم أنه قد صحح هذه الزيادة في حديث جابر هذا جماعة من أهل العلم؛ منهم من صرح بذلك كأبي نعيم في "الحلية"(3/189) قال: "هذا حديث صحيح ثابت من حديث محمد بن علي رواه وكيع وغيره عن الثوري"، والبيهقي في "الإعتقاد"(ص127) قال: "روينا في الحديث الثابت" ثم ذكر حديث جابر بالزيادة المذكورة. ومنهم من صححها شارحا أو مستشهدا كابن تيمية والذهبي وابن كثير وابن القيم وابن حجر والسيوطي والشوكاني. وغيرهم؛ بل منهم من تأولها كالصنعاني والسندي قالا: "أي صاحبها في النار"؛ وصححها من علماء هذا العصر: ابن باز والألباني وبن عثيمين رحمهم الله.

ولما انتهيت من كتابة هذه السطور، وقفت على تضعيف لهذه الزيادة في ثلاثة مصادر أخرى غير ما كتبه عمرو عبد اللطيف:

الأول: كتاب بعنوان: "مجموع فيه مؤلفات لشيخ الإسلام ابن تيمية" يحوي مجموعة رسائل له؛ تحقيق وتعليق "ابراهيم بن شريف الميلي"؛ فوجدت المحقق المذكور يذهب هو الآخر إلى تضعيف هذه الزيادة بنفس أسلوب واستدلال الشيخ عمرو، بل ويعلها بنفس العلة. قال (ص322-تعليق): "وقد فصلت القول في بيان شذوذ هذه الجملة في "بلغة الحثيث" أعان الله على طباعته".

فأقول: إذا كان تفصيله في كتابه المشار إليه يعتمد على تحقيق الشيخ عمرو فقد بينا لك ما فيه بما فيه الكفاية؛ وإن كان غير ذلك فينظر.

الثاني: "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" لعبد الله البسام-رحمه الله-،قال في تضعيف هذه الزيادة: "ففي سندها جعفر بن محمد الهاشمي وهو ضعيف وأخذ الحديث وجادة"، كذا قال، وهو من أغرب ما وقفت عليه، لأن مدار حديث جابر هذا، بالزيادة وبدونها، إنما يدور حول جعفر هذا، وهو بهذا يضعف طريق مسلم التي شرحها بدون الزيادة من حيث لا يدري؛ أما جعفر بن محمد فقد قال الحافظ: "صدوق فقيه إمام "ووثقه ابن معين ويحيى وأبو حاتم وزاد" لا يسأل عن مثله"؛ وأما الوجادة فقد أجاب عنها الحافظ في "التهذيب" بكلام وجيه فارجع إليه إن شئت؛ ثم هي من طرق التحمل المقبولة كما هو مفصل في كتب المصطلح.

الثالث: "صفة خطبة النبي-صلى الله عليه وسلم-" لعمرو عبد المنعم سليم، قال فيه (ص17): "وزاد النسائي في رواية "وكل ضلالة في النار" وهي زيادة شاذة من هذه الطريق والحمل فيها على شيخ النسائي عتبة بن عبد الله..." كذا قال.. وأظنه قد اطلع على كلام الشيخ عبد اللطيف فاستحسنه ولكنه لم يجرؤ على تحميل عبد الله بن المبارك عبء المخالفة وألزقها بشيخ النسائي؛ وهو عتبة بن عبد الله بن عتبة اليحمدي "صدوق" كما قال الحافظ، وقال النسائي: "لا بأس به". ثم إنه لم ينفرد بهذه الزيادة عن ابن المبارك، فقد تابعه حبان بن موسى وهو ثقة من رجال الشيخين. وقد صحح عمرو عبد المنعم هذه الزيادة في حديث جابر في تعليقه على "القدر" للفريابي.

وفي هذا القدر كفاية، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل؛ والحمد لله رب العالمين.

 
المشاهدات: 8775
التعليقات (1)Add Comment
0
...
أرسلت بواسطة منصور ناصر , أبريل 08, 2010
جزاك الله خيرا على هذه التوضيحات وأسال الله عز وجل أن يجعلها في ميزان حسناتك .

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy