دعـــوهـــا فإنـــهــا مــنــتــنــة
كتـب المقال بقلم : ربيع ميسوم   
الثلاثاء, 23 فبراير 2010 21:20

لقد جاء الإسلام والبشرية غارقة في montin1جاهلية يحكمها نظام القوي يأكل الضعيف، فعمل جاهدا بكل ما أوتي من حجة اللسان والسنان على تقويم سلوك الفرد وإخراجه من بوتقة التخلف والاستعباد، حاملا إياه لبر الأمن وشاطئ الإيمان، إلى أن غابت شمس النبوة من دون شروق وانقطع الوحي الإلهي تاركا الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك وقد ورثها تركة لاتكال ولا توزن، دأب مستحقوها على إكمال المسيرة المباركة التي صنعت من هذه الخلطة عجنة واحدة في قلبها ومتحدة في قالبها، مصداقا لقوله تعالى:(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ )الأنبياء:٩٢.قاضية بذلك على كل مظاهرالفرقة والإختلاف بكل صورها خشية أن تعصف بمشروعنا الفذ أدراج الرياح.إلا أنه وأمام هذه العزة والمنعة المحققة لم يكن أعداء الملة والدين من اليهود والنصارى وحتى عبدة الحجر والبقر أن يسكتوا ويستكينوا إلى أن يحملهم السيل، بل عملوا على إستنفاذ كل ثغرة وانتهاز كل فرصة لمهاجمة ديننا الحق في سبيل كسب نتيجة حربهم القذرة، مبتدئين بالنيل من شريعة ربنا وتدنيس حرمة نبينا ومقدساتنا ونهب أراضينا ومنتهين بإفساد أخلاق رعيتنا من الولدان إلى الشيوخ والعجائز، وقد باغتهم في ذلك جدار الصد المنيع في كثير من الحالات بسبب همة العلماء والدعاة محذرين ومنفرين، غايتهم التقليل من عدد الضحايا والتقزيم من المحن والرزايا بتوفيق من المولى تعالى، وبذلك ولجوا حصننا على خط ساخن يحسب فيما يزعم العامة أنه شرعي صحيح ينافح فيه المرء عن وطنه ويدافع عن كرامته وهيبته، مموهين عليهم ومأججين نار الفتنة بينهم حتى يربحوا الوقت ويصعدوا من وتيرة تكالبهم المسعور، أعني خط نشر العصبية وإحياء دعوة الجاهلية بين المسلمين ليقتتلوا ويتباغضوا فيما بينهم فيخربوا بيوتهم بأيديهم، وهم أبناء العقيدة الواحدة والبلد المسلم المتحد من المحيط إلى المحيط لم تفرقهم إلا خطوط وأقاليم بثها المستعمر بينهم.

وإن مما حدث في الآونة الأخيرة ولايزال دخنه لحد الساعة من تناوش وتهارش بين بلدين وشعبين مسلمين، بسبب قربة منفوخة تتهاوى من ورائها الأرجل بل حتى الأفئدة والعقول-مع الأسف الشديد -لأمر يندى له الجبين وتذرف له العيون عبرات من دم بفعل هالات السب والشتم والجرح التي لم يسلم منها الأحياء والأموات على حد سواء، في حين أن شريعتنا تحرم وتجرم كل ذلك بسلطة الشرع والقانون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"متفق عليه.وفي حين أخرى يبقى فيها العدو يتفرج على سيناريو الإنحطاط المتكرر يوميا، يتبجح تارة ويستمتع حينا من الدهر تماما كمن يشاهد مسلسلا من حلقات على أريكة فخمة في سهرة حميمية على وقع قرمشات الفول السوداني وشفطات الشاي الصحراوي،فهل يعقل يا عباد الله أن يضحك كمشة من اليهود على ذقون واحد مليار ونصف من المسلمين؟ إنه لشيء عجاب وصدق في الباب رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها "فقال قائل:ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال: " بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن "قال قائل:يارسول الله وما الوهن ؟ قال: " حب الدنيا وكراهية الموت "الصحيحة958.

وإنيلما رأيت الآنف ذكره وأحسست بمرارة الذل والهوان على إثره، عزمت من خلال هذه المداخلة ومن على هذا المنبر المعطاء أن أعري ذاك العباب وأكشف عن هذا الضباب،الذي تستر من وراءه خدمة الباطل ينفثون في رعايا الأمة ووجهائها روح حمية الجاهلية يحيونها وقد وأدها الإسلام منذ ما يقارب أربعة عشر قرنا، لتحلوا لهم لعبة الكر والفر مع الأخذ والجر متوخيا في ذلك سبيل التقاسيم والفروع بأدلتها الشرعية والواقعية فأقول وبالله أستعين:

أ/مفهوم التعصب:

1/لغة: " يأتي بمعنى الشدة يقال لحم عصب:صلب شيد، وأتعصب أشتد، والعصب:الطي الشديد، وعصب رأسه وعصبه تعصيباً:شده واسم ما شد به العصابة، ويأتي بمعنى:التجمع والإحاطة والنصرة ومنه قوله عصبة الرجل:بنوه وقرابته لأبيه والعرب تسمى قرابات الرجل أطرافه ولما أحاطت به هذه القرابات وعصبت بنسبه سموا عصبة وكل شيء استدار بشيء فقد عصب به والعمائم يقال لها العصائب، ويقال عصب القوم بفلان أي استكفوا حوله والعصبة والعصابة جماعة ما بين العشرة إلى الأربعين"لسان العرب ( 1/602 - 607 ) بتصرف.

2/إصطلاحا:عرفه الإمام الشوكاني رحمه الله فقال "بأن تجعل ما يصدر عن شخص ما من الرأي ويُروى له من الاجتهاد حجة عليك وعلى سائرالعباد"أدب الطلب ومنتهى الأدب ص7.وقد يصدق هذا على التعصب بالمعنى الفقهي والفكري وإن كان الأعم :هو التشدد وأخذ الأمر بشدة وعنف وعدم قبول المخالف ورفضه والأنفة من أن يتبع غيره ولو كان على صواب.وكذلك هو نصرة المرء لقومه أو جماعته أو من يؤمن بمبادئه سواء كانوا محقين أم مبطلين،وسواء كانوا ظالمين أو مظلومين والتعصب ضد التسامح والإنغلاق ضد الانفتاح والتحجر ضد التفكر ورفض الآخر، وعدم قبوله ضد التواصل معه والتعايش والتوافق، والحمية ضد التجرد للحق والانتصار له، فمعاني التعصب ممقوته مذمومة وضدها هذه المعاني الجميلة المحمودة.

ب/التعصب المشروع:نعني به ما يسمى في اصطلاحاتنا الشرعية "بالولاء"، وهو "النصرة والمحبة والإكرام "الطحاوية403.ويعتبر شعيرة أساسية في معتقدنا الصحيح الواجب على كل مسلم أن يتلبس به، فلا ولاء إلا لله ونبيه بوحييه ولا ولاء إلا للمؤمنين بالحق الذي معهم، وبهذا يتلخص لدينا مصطلح"التعصب الجائز"على نسق الكذب المباح والغيبة المشروعة، وقبل أن أسدل الستار على هذا الباب تحز في نفسي وقفة لابد من تسجيلها، وهي أن الكثير من الناقمين على سالكي طريق الحق وطالبي سبيل النجاة يدنسون تبعاتهم باتهامهم بالتعصب، فتجدهم يلقون الكلام على عواهنه في كثير مما يكتبون، ينعتون هؤلاء القابضين على الجمر في زمن الفتن بأفظع أنواع الصفات المقززة والمنفرة وعلى رأسها اتهامهم بالجمود والتحجر، تنفيرا من دعوتهم الحقة وتناسى أولئك المساكين أن ما تعصبوا له هو عين المشروع لا الممنوع، فكن أيها المحب من هذه المكائد على علم ودراية، ولا يغرنك التعصب كفعل في حد ذاته ولكن أنظر إلى ما يتعصبون فأنت ترى الكذب حرام لكنه في حالات لا يعد محرما ومثله الغيبة محرمة لكنها في حالات لا تعد حراما، فكذلك هنا التعصب والعصبية محرمة لكن إذا كانت للحق بدليله فهي تتعدى الجواز إلى الوجوب لأن الحق واحد لا يتعدد.

ج/التعصب الممنوع وأنواعه:

1/التعصب للنفس:ونعني به الإنتصار والمجادلة بالباطل على النفس والذات بما حوت من أفكار ومعتقدات، مترجمة في شكل أقوال وأفعال سلبية، حيث المتلبس بها لا يقبل النقد البناء والحكم على الصادر منه بالخطأ وفيه قال تعالى:(وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ )البقرة:٢٠٦".قال الحافظ ابن كثير "أي إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله وقيل له اتق الله وانزع عن قولك وفعلك وارجع إلى الحق، امتنع وأبى وأخذته الحمية والغضب بالاثم، أي بسبب ما اشتمل عليه من الآثام " 1/334. وهو نفس الداء الذي أورد فرعون المهالك حتى أخذه الله إليه أخذ عزيز مقتدر فالحق ما قال والسديد ما رأى من الآراء وفيه قال تعالى: (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ )غافر:٢٩".ولكن ما الذي رأى وإلى ماذا هدى ؟ كما يتساءل العلامة السعدي رحمه الله في تفسيره ص 683.

2/التعصب للفرد والجماعة:لقد حارب الإسلام تقديس البشر وإعطائهم منزلة فوق منزلتهم فقال تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)آل عمران:١٤٤".وعليه فقد نهينا عن إتخاذ أي شخص مهما كانت رتبته ومنزلته متزلفين له ما عدا نبي الهدى والرحمة، أو جماعة وطريقة مهما كانت توجهاتها وإديولوجياتها دينية أو دنيوية ما عدا الطائفة المنصورة من جماعة المسلمين، بحيث نوالي من أجلها ونعادي وقد لا أجد أحسن تمثيل في الباب كما هو حادث الآن بين الأحزاب برؤسائها والطوائف بأمرائها والقبائل بزعمائها والقوميات باحتلاف لغاتها ولهجاتها، وكذا الفرق والأندية الرياضية على اختلاف أسماءها وشعاراتها، وقد عايشنا ردحا من الزمن من هذا الشيء الكثير حيث أدت مباراة كروية إلى ما لايحمد عقباه من محاولة قطع أواصر الأخوة المعنوية والمادية وكذا هتك أعراض مالية ودموية، لشعبين مسلمين عربيين يتجهان لقبلة واحدة ورب واحد،على الرغم مما في جعبتنا من شواهد قرآنية وتاريخية نقلت لنا عواقب الأمم الغابرة لما تركوا الحق واتبعوا الأشخاص فقال تعالى:(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ )التوبة:٣١.ولما نأتي إلى زمن النبوة متفرسين ومفتشين، نجد بأن هذا التصرف هو من المحطات التي كانت تغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبة يحاول معها محي هذا السلوك من حياة الفرد والمجتمع، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل لعاب فكسع أنصاريا فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا وقال الأنصاري:يا للأنصار وقال المهاجري:يا للمهاجرين، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال:ما بال دعوى أهل الجاهلية ؟ ثم قال:ما شأنهم ؟ فأخبر بكسعة المهاجري للأنصاري فقال النبي صلى الله عليه وسلم:دعوها فإنها خبيثة "رواه البخاري 3518.وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "من قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبة فقتل فقتلته جاهلية"رواه مسلم 3/1478.يقول شيخ الإسلام عليه رحمة الله "فقد دلت هذه الأحاديث على أن إضافة الأمر إلى الجاهلية يقتضي ذمه والنهي عنه وذلك يقتضي المنع من أمور الجاهلية مطلقا "الإقتضاء1/ 246. والراية العمية هي كما يقول الإمام النووي رحمه الله "الأمر الأعمى لا يستبين وجهه كذا قاله أحمد بن حنبل والجمهور.قال اسحاق بن راهويه:هذا كتقاتل القوم للعصبية "ويقول في معنى الحديث "ومعناه أنه يقاتل لشهوة نفسه وغضبه لها "شرح مسلم 12/201.وقد لا أجد تجسيدا لهذا المرض على أرض الواقع أفظع وأشنع من صنيع قائد جماعة الهجرة والتكفير المصرية، المدعو مصطفى شكري وذلك من خلال تقعيداته وتنظيراته بتقزيمه مفهوم جماعة المسلمين في جماعته والإمامة فيه وفي طاعته، ومن كان خارج هذه الجماعة وطائعا لغير تلك الإمارة فهو خارج عن الملة والدين، بشهادة الأحاديث والآيات التي يلوون فقهها، ولقد أحسن فأجاد الدكتور عبد الرحمن بن معلا اللويحق جزاه الله خيرا في كشف عوارهم ونشر فضائحهم بالجلاجل، من خلال بحثه الموفق والمعمق الموسوم بـ"الغلو في الدين في حياة المسلمين "فراجعه غير ملزم لأن للمرء مع أولئك القوم صولات وجولات.

3/التعصب للمكان:وهو التغني بالجهوية الممقوتة في تقديم المصالح ودرء المفاسد الدينية والدنيوية، فترى الواحد منا أول ما يسأل الآخر لا عن دينه أو عقيدته وإنما من أي جهة أنت ؟ فإن وافقه في المكان كان من المقربين وإن خالفه كان من المبعدين وهذا عين ما نهى عنه الشرع من لدن زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، حارصا فداه أبي وأمي على كبح جماح هذه النعرة في مهدها، بتقسيمه الفضل بين الأماكن في جهاتها المترامية، من مهبط الوحي مكة ومكمن دولته الفتية المدينة النبوية إلى اليمن والشام وغيرها من البقع والأمصار شرقا وغربا، كما يبدع في ذلك جمعا لشتات الموضوع الربعي في "فضائل الشام ودمشق "ومعه"مناقب الشام وأهله "لشيخ الإسلام ابن تيمية رحم الله الجميع وأجزل لهم المثوبة.

4/التعصب للزمان:وهو الإنتساب إلى حقبة تاريخية مضت لا على سبيل الاعتزاز بالحق بل على مرمى الاغترار بالباطل في القوة والمنعة، وأسبقية بناء الحضارات وتشييد ما مصيره الفناء، وإن من غريب ما نسمعه في هذا الزمن الخوان قوم يعتزون بانتسابهم إلى أقوام عاثوا في الأرض فسادا إلى حد مشاركة المولى تعالى في ربوبيته،فتأخذهم حمية كونهم من سلالة الطاغية فرعون وأحفاده وآخرون يفتخرون بانتسابهم للكنعانيين وأولئك يتزلفون لبطون الفرس الصفويين وهلم جرا، في حين أنهم قد لا يذكرون فضلا لتلك العصور الذهبية بسلالاتها الزبرجدية صانعة منهم رجالا في القلب والقالب، أعني الخلافات الإسلامية بأسيادها وبطولاتها بل حتى أنهم ينسون فضل جدهم إبراهيم عليه السلام،وهل هناك أوقح ممن يترك نسبه وينتسب لغيره، قال تعالى:(وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ )الحج:٧٨78.

5/التعصب الفكري:ونعني به التقوقع حول فكرة معينة سواء كانت باطلة أو مما يستصاغ فيها خلاف التنوع، ومثله ما يعكف عليه أرباب تقليد المذاهب الفقهية والعقائدية على اختلاف المشارب، إذ وصل بهم الأمر إلى حد منع التزاوج بين بعضهم البعض اللهم إلا إذا أنزلها منزلة أهل الكتاب كما حدث بين الشافعية والحنفية، بل ومن العجب العجاب أن كان ولا يزال إلى يومنا هذا في المسجد الأموي بدمشق أربعة محاريب كل محراب خاص بإمام مذهب معين، كان الأتباع لا يصلون وراء من يخالفهم في الفروع الفقهية، ولهذا السبب لم يعتبر من يعتد بقولهم المقلد المتعصب مع بيان الحق له في زمرة العلماء الربانيين، قال الإمام الشوكاني "إن التقليد جهل وليس بعلم "إرشاد الفحول ص162.ويقول العلامة ابن القيم "لا خلاف بين الناس أن التقليد ليس بعلم وأن المقلد لا يطلق عليه اسم عالم "إعلام الموقعين ص51.أقول:هذا غيظ من فيض وبما أن المقام لا يتسع لأكثر فإني أرشدك إلى بحث قيم بعنوان "بدعة التعصب المذهبي "للأستاذ محمد عيد عباسي وفيه تجد ضالتك وزيادة.

د/أسبابه:لانتشار التعصب في عصب المجتمعات والأمم أسباب عدة، يمكن حصرها في النقاط التالية:

1/تضخيم ذوات الأشخاص والجماعات أو الهيئات، فالرأي ما قال فلان والصواب عمل جماعة علان، وهذا بعينه ما أهلك فرعون وأتباعه وقارون بأشياعه وأبوجهل مع أصحابه.

2/القصور والتخلف المعرفي مما ينشأ عنه الجهل بالآخر وعدم توسيع المدارك بمعرفته والإطلاع على ما يؤمن به، مما يدعو عكسيا إلى التعصب ضده ورفضه وحسبنا أن نقول:إن الهجوم على الإسلام اليوم ومحاربته من كثير من المجتمعات والطوائف هو بسبب الجهل بمبادئه السمحة وعدم معرفة حقيقته المشعة هذا مع تشويهه بالشبهات والتهم من الإرهاب إلى التخلف فالهمجية والتطرف، كان لوسائل الإعلام حصة الأسد في ترويجها والدعاية لها.

3/تقديس البشر والغلو فيهم الواصل إلى حد إضفاء صفة العصمة والقداسة مما يؤدي إلى التعصب لهذا الشيخ أو لتلك الطريقة حتى قال بعضهم"من شرط المريد أن لا يكون بقلبه اعتراض على شيخه "الرسالة القشيرية 2/736.وقابلهم آخرون على نفس مركب السوء فقالوا "إن للإمام مقاما محمودا ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل "الحكومات الإسلامية للخميني ص52.

4/الانغلاق على النفس وضيق الأفق في التفكير فنجد كثيراً من الطوائف والجماعات والأحزاب منعزلة على ذاتها لا تسمع إلا لنفسها وتمنع أتباعها من الاستماع لغيرها سواء كانوا على حق أو باطل بل إن كثيرا من الأفكار المتطرفة والمتعصبة تنشأ في الأوكار السرية وسراديب الظلام في أجواء مغلقة تعلِّم الإرهاب ورفض الآخر والعنف الموجه وتكفير المخالف.

5/تنشئة الفرد في أسرة تميز ضد اللون أو الجنس أو اللغة أوالجماعة أو الفكر وتغذي فيه روح التعصب والتطرف ضد الآخر مما ينتج لنا أناسا متعصبين ومتحجرين يكونون هم نواة أسر أخرى لمجتمع مهلهل وهكذا دواليك.

6/الفهم الديني الخاطئ وهو أهم أسباب التعصب الرئيسية فالحروب الصليبية ضد المسلمين كانت نتاجا عن فهم خاطئ لمبادئ الدين النصراني، والتعصب المذهبي من بني الإسلام كان ناتجاً من فهم خاطئ لاتباع العلماء.

7/غياب أخلاقيات التعامل مع المخالف مثل العدل والإنصاف والتجرد وقول الحق والثناء عليه بما أصاب، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)المائدة:٨ .والدفاع عنه إذا ظُلم وتطاول عليه الآخرون بغير حق قال صلى الله عليه وسلم "أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً "قيل:يا رسول الله، أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً ؟!قال"تحجزه أو تمنعه عن ظلمه فإن ذلك نصره"رواه البخاري.

هـ/مخاطره وأضراره:

1/تفرقة الأمة وتشتتها بسبب إعجاب كل ذي رأي برأيه وكل تجمع بنظريته كما قال تعالى: (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ )الروم:٣٢.

2/إشعال فتيل الإقتتال بين الأمم والشعوب على إثر إنتشار الظلم والعداوة وناتجه قطع أواصر التعاون المعنوي والمادي، وبذلك تختل التركيبة الإنسانية عموما والإسلامية خصوصا، باعتباره حائلا بين العبد وعبادته ولأن المكلف مهما كان ويكن مأمور بمد يد العون لأخيه في الخير لا على الشر، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )المائدة:٢

3/رفض الآخر تعايشا وتشاورا مما ينتج عنه الإنفراد بالحكم من قاعدة الهرم إلى قمته، وليس العيب هنا إن كان الحكم سديدا ولكن الكارثة إن كانت الأخرى ولهذا أمرنا المولى تعالى بترك التعصب للأحكام والإنصياع لأمر جماعة المسلمين في قالب التشاور لأن الكفاءات تختلف فقال(وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ )الشورى:٣٨.

4/تفشي ظاهرة التكبر والإستعلاء وشيوع الحط من كرامة ومستوى الآخرين، الذي يترجم غالبا في التفنن في أساليب التهكم بالغير مع حالات السب والشتم ناعتا إياه بأقبح الصفات والنعوت ومعلوم بطريق الاستلزام نتاج هذا.

5/من أهم أسباب إنتشار ظاهرة الغلو والتطرف وإذا إلتأمت مع المعتقدات والأفكار صارت تكفيرا وإذا تحول هذا المعتقد من الجانب النظري إلى الجانب التطبيقي صار إرهابا وخرابا.

و/علاجه:يمكن لنا على ضوء هذه الحالة المزرية من الأسباب إلى النتائج، أن نعدد عدة وسائل للخروج بحلول لهذا الملف :

1-العلم:ونعني به نشر العلم القائم على الحقيقة الثابتة من أدلة الكتاب والسنة بكل ما حوت من نصوص الإذعان للحق والتحلي بالوسطية والإعتدال مع التخلي عن المراء والجدال بالباطل وهذا لا ولن يتم إلا بالتمكين لعرى العقيدة الصحيحة وحاملي رايتها من العلماء عن طريق تبليغ رسالتهم بشتى الوسائط المتعدد تصفية للمناهج والأفكار وهو عين ما نلمسه من خلال استقراء العصور الذهبية التي استطاع حاملو راية الإصلاح والتجديد في كنفها أن يجنبوا الأمة حربا حقيقية على إثرإنتشار التقليد وتصاعد وتيرة التعصب والتزلف إذ بتوفيق من الله وبفضل علمهم الغزير وحنكتهم الدعوية عرفوا كيف يسيطروا على الوضع ويهدأوا النفوس.

2-القانون:ونعني به بسط يد العدالة بانصاف على كل من يحاول إحياء دعوى الجاهلية بين المسلمين، ولا سيما أبواق وسائل الإعلام على اختلاف أنماطها، التي ما فتئت في الآونة الأخيرة تنقل إلينا عبر الاثير سموما قاتلة من أفواه الأفاعي يتلقفها إخواننا هنا وهناك فتثور فيهم الحمية وتتأجج معها العواطف منادية بدعوى أبوجهل وأمية، وإني لا أرى رادعا لمزامير الفتنة تلك أقوى وأعظم من التحلي بالصبر والحلم،لأن السكوت على جهالات الأحمق مكرمة والرد عليها مخرمة.

3-التربية:بما أن التعصب مرض نفسي بالدرجة الأولى وهو ما يرمز له بالعقد النفسية، يمر بها المرء خاصة في مفترق طرق مرحلة المراهقة أين يبدأ النضوج الفكري، فإنه لا مناص من توجيهها الوجهة المشروعة لا الممنوعة،عبر قنوات عدة تبدأ من الصغر إلى الكبر، بحيث يحافظ على الفرد داخل حصانة الأسرة في جو الإخاء وتقبل الحق على مرارته وترك الباطل مع حلاوته

هذا وفي الأخير أذكر نفسي وإخواني بهذا المبدأ الرباني والتنبيه النبوي الذي لا يخرج عن دائرة الموضوع فحواه "أنت لست أفضل مني ولا أنا بأحسن منك إلا بالتقوى"كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )الحجرات:١٣ .وكما في قوله صلى الله عليه وسلم "ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى "رواه البيهقي وأبو نعيم في الحلية وهو صحيح.غاية المرام برقم 313.وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


 
المشاهدات: 571
التعليقات (2)Add Comment
0
...
أرسلت بواسطة tota 3asola , مارس 31, 2010
جزاكم الله خيراا شكراا جزيلاا
0
...
أرسلت بواسطة مسلم مصرى , أبريل 02, 2010
جزاكم الله خيرا ونفع المسلمين بعلمكم وأبعدنا عن عن التعصب

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
 
باقي على شهر رمضان


العدد 16 

 

رسالة البدر

images/resized/images/stories/demo/18-1_78_59.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-2_78_63.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-3_78_48.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-4_78_59.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-5_78_55.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-6_78_53.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-7_78_48.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-8_78_55.jpg

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد المجلة

المحاور الرئيسية