7:42 6:19 3:57 1:03 6:19
 
خطأ
  • XML Parsing Error at 1:337. Error 9: Invalid character

ابن عدودلمّا كان ذكر أخبار الصّالحين جندًا من جنود اللّه يسوق النفوس إلى الاقتداء بذوي الهمم العالية لنيل المقامات الغالية، فإنّنا نُتمّم ما سبق من الكلام حول ترجمة نجم قد أفل وعلامة قد رحل وهو شيخنا ووالدنا محمد سالم ابن عبد الودود (رحمه الله)،  وفي هذا العدد من مجلّتكم النّافعة، صفحات من حياته بعدما قرأنا عن نشأته وطلبه العلم ومحفوظاته وأدبه وتواضعه.

شعره:

نذكر في هذا العدد بعضا ممّا تدعوا إليه الحاجة من ذلك قدرته على الشعر وخاصّة في النّظم والتأليف، وبعض مؤلّفاته وآثاره العلمية.

لقد كان الشيخ (رحمه الله) نابغة في الشّعر سواءا في القصائد العادية أو في الأنظام العلمية، ونحتاج إلى ذكر أمثلة وأدلّة على ذلك، منها أنه كان تخطر على باله الفكرة أو يرى منظرا فيبلّغه للحاضرين شعرا، كما ذكر يوما أنه نزل بمطار مصر العربية فرأى أمرا مدهشا من كثرة تبرّج النّساء وسفورهنّ وتشبههنّ بالرجال فلم يحتمل ذلك، لأنّه في بلده موريتانيا لا توجد هذه المظاهر بتلك الصّورة فقال (رحمه الله) عند ذلك قصيدة مرتجلة منها:

كم ترى في أرض الإسلام أرض السالفين

من رجال حالقات مع نساء كاشفين

  ومن شعره ما قاله في النّسوة اللاتي يقصّرن ثيابهنّ:

لحدّ الركبتين تشمّريــنا           بربّك أي نهر تعبرينا

كأن الثوب ظل في زوال           يزيد تقلّصا حين فحينا

فكان الشيخ (رحمه الله) من أبرز العلماء الشعراء في هذا العصر كما شهد له علماء بلده، يصف بشعره أحوال الأمة ومآسيها ويحذّرها من أعدائها المتربّصين بها ويدعوها إلى الرّجوع إلى دينها. وكان فحلا من فحول الشّعر، تجده حاضرا في المدح والتصنيف والرّثاء، ينظم مئات القصائد العصماء.

من شعره في الرّثاء مرثيّة قالها بعد وفاة الشيخ ابن باز (رحمه الله):

قد نعوا لي عبد العزيز ابن باز                     فالتّهاني لديّ مثل التّعازي

بخّرت حرقة الأسى دمعة العيـ  ..................  ـنين حتّى كان البكـاء بغاز

كان شيخ الإسلام حقّا بذا العصـ ..................  ـر فمـا إن لـه به من مواز

لست أنسـا دارا كدار ابن عبّا ..................   س له للعفـاة دون امتيـاز

فأرى الإخوة الأفــارقة السّــو..................   د ينادون قبل أهل الحجـاز

ولقد ضاع من شعره الكثير، لأنّه ولد وعاش في بلد يقال عنه بلد المليون شاعر.

ومن أهمّ قصائده أنظامه العلمية خاصّة في الفقه، فإنّه بلغ مبلغا إن قلت لم يسبق إليه لم أغرب ولم أبعد النجعة. 

مؤلفاته:

نظم قصائد في الفقه المالكي والحنبلي منها:

1.    "كتاب التسهيل والتكميل لمختصر خليل"، وهذا النظم بلغ عدد أبياته 14000 بيتا، وهذا في الفقه المالكي نظم لمختصر خليل ونَظَمَ له مقدمة بين فيها اعتقاد السّلف الصّالح. وهذه العقيدة كان يدرّسها للطلاّب في محضرته.

2.    كتاب نظم عمدة الموفّق ابن قدامة في الفقه الحنبلي وعنوانه:               "المُوَثَّق من عمدة المُوَفََّق"، ويقع هذا النّظم في 3722 بيت وهو من آخر ما كتبت أنامل الشيخ (رحمه الله). من قيمة هذا النّظم أنّ الشيخ صاغه بلغة متينة اعتمد فيها على علم واسع بالعربية وفنونها وعلوم القراءات والتفسير ومصطلح الحديث والفقه والأصول والأنساب والتاريخ والسّير والتراجم والشعر والعروض والبلاغة، لأجل هذا جميعا كان شعره في النّظم والتأليف رائقا ورائعا ونافعا وممتعا. (وهذا الكتاب مطبوع) 

3.    "شراع الفلك المشحون بعناوين تبصرة ابن فرحون": وهو كتاب في القضاء، بيّن فيه الشيخ مقاصد مهمّة في القضاء ومسائل أخرى تتعلّق بالسياسة الشّرعية، وعدد أبيات هذا النّظم 446 بيتا.  

4.    "نظم تقريب التهذيب" للحافظ ابن حجر، ولم يتمكّن الشيخ من اكماله.

وكان الشيخ يفضل النّظم على النّثر لسهولته حفظا واستحضارا واستذكارا، والنّفوس أكثر تعلّقا به وأشدّ استعذابا لسماعه وحفظه، كما قال ابن عاصم الأندلسي.

وبعد فالعلـم أجلُّ معتنــى             به وكلُّ خير منه يجتنــى

والنّظم مدن منه كلّ ما قصى            مذلّل من ممتطاه ما اعتصى

فهو من النّثر لفـهم أسبـق             ومقتضـاه بالنُّفـوس أعلق

ومع براعته في النّظم فقد ألّف كثيرا من الرّسائل النّثرية منها:

1)    طرّة لامية الأفعال.

2)    رسالة في الاجتهاد في أصول الفقه.

3)    رسالة في حكمة زواج النّبي صلى اللّه عليه وسلّم لأكثر من أربع والرّد على شبه الأعداء.

منهجية تدريسه:

تزاحمت الأشغال العلمية على الشيخ من تأليف وإفتاء ومحاضرات ومجامع فقهية يحضرها، ولكن كان أكبر اهتمامه بتدريس الطّلبة الوافدين عليه من أقطار الدّنيا من العرب والعجم المسلمين.

وإليك أخي الطّالب أخبار دروسه:

يبدأ بإلقاء الدّروس المتنوّعة الموادّ المختلفة المستويات من قرابة التاسعة صباحا إلى وقت صلاة الظهر في نحو الثالثة بعد الزّوال، وهذا الوقت كلّه مستغرق في التّدريس دون انقطاع إلاّ يسيرا، تكون القرعة بين الطّلبة أيّهم يبدأ أوّلا، فيبدأ فوج كتاب معيّنا فقها أو نحوا أو عقيدة أو أحكام تجويد أو أصولا وقتا غير طويل يستوعب فيه الطلاّب ما يسمعون، ثمّ ينصرفون إلى المراجعة والمدارسة حتى يثبت حفظهم وفهمهم، ثمّ يحضر فوج آخر لقراءة كتاب غير الأوّل، فيشرح لهم ويفهمهم ويمازحهم، ثمّ يأتي فوج آخر أو طالب آخر وهكذا يبقى الشيخ طيلة الساعات لا يملّ ولا يفتر ويبقى على نشاطه كما كان أولا. وما رأيته ولا رآه غيري نام أو نعس في حلقة كما يفعل الكثير من أقرانه العلماء، لشدّة تعبهم و سهرهم في العلم والعبادة، وحال الشيخ هذه عجيبة من حيث المواظبة في الصّيف والشّتاء، والبادية والحاضرة، وقت الرّياح والزوابع الرّملية يدرّس متلثّما والطّلاب كذلك.

عبادته:

إن كان الواحد ليقرأ في تراجم السّلف ويعلم اجتهادهم في العبادة فيتعجّب من حالهم، ولكن إذا رأى الشيخ صار الخبر عيانا فيراه صوّاما في أيام الصيف مواظبا على قراءة القرآن والأذكار، إذا صلّى الصّبح أطال فيها يقرأ بطوال المفصّل كالحجرات والطّور وق، وبعد الصّلاة سواءا كان في مسجد القرية أو في الخيمة إن كان في البادية ينصرف إلى المصلّين ويبقى جالسا في مصلاه. ثمّ يتوجّه إلى القبلة لا يكلّمه أحد أو ربّما فسّر بعض الرّؤى في ذلك الوقت. ويبقى جالسا يذكر الله على هذه الحالة حتّى تطلع الشّمس فيصلّي الضحى ثمّ يذهب ليشرب شايا ثم يبدأ الدّرس.

زهده:

إذا كنت تريد أن تعرف الزّهد لغة واصطلاحا، قولا وعملا، فتأمّل حياة الشيخ رحمه الله، إنّها فذّة في الزّهد، تمكّن الشيخ من مناصب راقية وثروة كبيرة، وحشم وعبيد، عرضت عليه الدّنيا فآثر عليها الدّين والآخرة. كان كثيرا ما يذكر الموت ويتمثل بأقوال الصّحابة والشّعراء، فزهد في الدّنيا وتركها قبل أن يفارقها، وأعجب من هذا أنه كان وزيرا وقاضيا ففضّل التّدريس في الصّحاري حيث لا يوجد ظل ولا ماء، على رغد العيش حيث النّساء والأبناء.

وكان يخاف نزول العذاب على أهل المعاصي فيقول: "لا أحبّ أن أسكن العاصمة، وأفضّل البادية لقلّة المعاصي لكوني مع الطّلبة وذنوبهم قليلة". وكان يقيم في خيمة مقطّعة مرقّعة طلبا للسلامة والعافية وزهدا في الدّنيا مع أنّه يملك بيتا كبيرا كغيره من الوزراء. ومن كلامه الحسن الدّال على زهده أنّه كان يقول: "لا تجعلوا للأمور المباحة كالأكل والشرب والنّوم وقتا طويلا، لعلّ الموت يأتيكم على تلك الحال، فخير أن تكونوا في عبادة".

كرمه:

عرف الشيخ بالجود والسخاء، يدرس عنده طلبة كثر يؤويهم ويطعمهم جميعا غذاءا وعشاءا من حيث يأكل هو ويشرب، يعين محتاجهم ويعود مريضهم.

ثناء العلماء عليه:

أثنى عليه أهل بلده من الموافقين والمخالفين، زكّاه الشيخ بكر أبو زيد ونصح بالدّراسة عليه كثير من الأهل العلم في الشام والحجاز، مثل الشيخ الحلبي والشيخ ربيع وغيرهم. كان قوله مفضلا عند قومه على قول الآخرين، وكان يحب العلماء ويثني عليهم.

دعوته:

كان الشيخ يدعو إلى العلم النّافع والعمل الصّالح، يجدّد عقيدة الصّحابة والأئمّة الأربعة ويدعو إلى التّوحيد ويحذّر من البدع والغلوّ والتكفير وغيرها. كان يقصر الخطبة ويطيل الصّلاة، يدعو بالرّفق واللّين والبصيرة في الدين.

وفاته:

بعد عمر مبارك قضاه في العلم والتعليم، فارق الحياة حيث ينتقل الكلّ، وخلّف الشيخ طلاّبا كثر من أنحاء المعمورة.

وبوفاة العلامة محمد سالم يكون العالم الإسلامي قد ودّع عالِمًا بارزًا شكّل طوال العقود الماضية منارةً هاديةً لنشر العلوم الإسلامية والعربية، وركنًا من أركان الدعوة والفقه ظل ينشر العلم ويعلم الناس الخير لعدة عقود، كانت وفاته يوم الأربعاء 04 جمادى الأولى 1430 الموافق 29 إبريل 2009، فعليه رحمة اللّه الواسعة.