الكناية بالحسن المليح عن اللفظ القبيح
كتـب المقال بقلم : محمد قالية   
الثلاثاء, 23 فبراير 2010 22:07

لما كانت العرب تعدّ الكناية من البراعة والبلاغة وهي عندهم أبلغ من التصريح، قال الطرطوسي:وأكثر أساليبهم الفصيحة على مجاري الكنايات.ومنه الحديث "كان إذا دخل العشر، أيقظ أهله وشدّ المئزر"فكنّوا عن ترك الوطء بشدّ المئزر، وكنّى عن الجماع بالعسيلة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم :"... حتّى تذوق عسيلتها ..."رواه البخاري ومسلم.وكنّى عن النساء بالقوارير لضعف قلوبهنّ، ويكنّون عن الزّوجة بربّت البيت وعن الأعمى بالمحجوب والمكفوف.والكناية عن الشيء:الدّلالة عليه من غير تصريح باسمه.والكناية ليست بمجاز في أصحّ الأقوال.

قال الشيخ عزّالدين:الظّاهر أنها ليست بمجاز لأنّك استعملت اللّفظ فيما وضع له، وأردت به الدلالة على غيره.

والكناية لها أسباب منها:

ترك اللفظ إلى ما هو أجمل منه.كما في قوله تعالى: (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ )النساء:٤٣فكنّا باللّمس عن الجماع ومقدّماته.ولها أسباب أخرى ليس هذا موضع ذكرها.ومن عادة القرآن العظيم اختيار الألفاظ الفاضلة التي يرغب فيها السامع ولا يخجل منها المتكلم، فيترك كلّ ثقيل في النطق وعلى الأسماع والمزاج والطّباع إلى كل لفظ خفيف على النّفوس لا تنفر منه الأسماع ولا تخجل منه الطّباع.ومثال ذلك في القرآن كثير فإنه يكنّي عن الجماع باللّمس والرفث والدخول والنّكاح والإفضاء ونحوه.

قال الله تعالى: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا )النساء:٢١.فكنّى بالإفضاء عن الجماع والإصابة، وقيل أنّه كنّى عن الخلوة وما يحدث فيها.

قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني:من عادة العرب أنّها لا تكنّي عن الشيء بغيره إلاّ إذا كان يقبح ذكره.وقال بعضهم هذا التقييد غلط لأنّهم يكنّون عن القلب بالثّوب، كما في قوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ )المدثر:٤.ومن أمثلة هذه الكنايات قول الله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ)النساء:٤٣، وكلمة الغائط في اللغة تطلق على المكان المنخفض من الأرض يقصدونه عند قضاء الحاجة لاستتارهم عن أعين النّاس.فكنّا القرآن بالغائط عن قضاء الحاجة، والحاجة نفسها وهي الحدث.ومن الكناية في القرآن عمّا يستقبح ذكره بما يستحسن لفظه، قول الله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)البقرة:٢٢٣.فكنّى الله تعالى عن الجماع بلفظ الحرث، لأنّ أمّة العرب أمّة حييّة، تحبّ هذا الأسلوب وتعظّمه فخاطبها الله بأكثر ممّا كانت عليه فازداد العجب عند العرب.وكلمة الحرث معناها في الآية :إتيان الرجل امرأته بالمأتى الحلال المباح، وشبّه المرأة بالحرث لأنّها مزدرع الذّرية ففرج المرأة كالأرض والنطفة كالبذور والولد كالنبات الذي يخرج من الأرض بعد حرثها وزرعها.

وقد أحسنت تلك المرأة الشاعرة الأولى حين عاتبت زوجها الذي اعتزلها لأنّها ولدت أنثى فقالت :

ما لأبي حمزة لا يأتـينـا ينام في البيت الذي يلينـا

غضبـان ألاّ نلد البنينـا ووالله ما ذاك بعيب فينـا

فنحن كالأرض لزارعينـا ننبت مـا قد زرعوه فينـا

ولهذا كنّى الله تعالى عن الجماع بكلمة الحرث ومثلها:

قول الله تعالى:(فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ )الأعراف:١٨٩.ومعنى تغشاها:أي تجلّلها وغطّاها مجامعا لها.فكنّى بكلمة تغشّاها عن كلمة جامعها والمعنى واحد ولكن الألفاظ لها أثر على الأسماع والأذواق، والله كريم يكنّي، وصاحب الذوق السليم يدرك الفروق الدقيقة بين الكلمتين المتشابهتين، لأنّ الذوق له سرّ عظيم في فهم اختيار الألفاظ ومعرفة جمال الأسلوب وبلاغة القرآن ومعرفة مواطن الإعجاز والفصاحة واعتياض كلمة بدل أخرى تشبهها.كما قال ابن أبي الحديد: " اعلم أنّ معرفة الفصيح والأفصح والرشيق والأرشق والجليّ والأجلى والعليّ والأعلى، من الكلام أمر لا يدرك إلا بالذوق، ولا يمكن إقامة الدلالة المنطقية عليه.وهو بمنزلة جاريتين:إحداهما بيضاء مشربة حمرة، دقيقة الشفتين، نقية الشعر، كحلاء العينين، أسيلة الخدّ، دقيقة الأنف، معتدلة القامة.والأخرى دونها في الصّفات والمحاسن لكنّها أحلى في العيون والقلوب منها وأليق أملح، ولا يدرى لأي سبب كان ذلك لكنّه بالذوق والمشاهدة يعرف.والمراد من هذا الكلام بيان قيمة الكناية بكلمة عن أختها، ومن بلاغة القرآن أنّه يستعمل هذا الأسلوب فيكنّي عن كلمات يستقبح ذكرها بما يشابهها في المدلول ولكنها تستحسن في القول، مثل كلمة الرّفث التي هي كناية عن الجماع ومقدّماته كما في قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ )البقرة:١٨٧ ;ولا شكّ أنّ كلمة الرّفث تستحسن عن لفظ الجماع.وكذلك الكناية بلفظ المباشرة التي هي إلصاق البشرة بالبشرة عمّا يرادفها من وطئ وقبلة ولمس.قال الله تعالى : (فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ )البقرة:١٨٧.فتأمّل كم أغنت هذه الكلمة (باشروهن)عن كلمات تشابهها ولكن لا يستحسن لفظها.ومثلها الكناية بكلمة المسّ عن الجماع ومقدّماته، كما في التنزيل في قوله عزّ وجلّ: ( أَو لآمَسْتُمُ النِسَآءَ)النساء:٤٣فاللّمس كناية عن الجماع، إذ لا يخلوا الجماع من الملامسة.ومن كناية القرآن ما ذكره الإمام بدر الدّين الزركشي في البرهان أن ّ الله كنّى في قوله عن مريم وابنها (كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ )المائدة:٧٥.أنّ الله كنّى بأكل الطّعام عن البول والغائط لأنّهما منه، إذ لابّد للآكل منهما ولكن استقبح في المخاطبات ذكر الغائط فكنّى بالطّعام عنه.ومن خلال هذه الكنايات عمّا يستقبح ذكره بما يستحسن لفظه نعلم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي جاء بهذه الرّسالة الخاتمة الخالدة وخاطب النّاس بهذا القرآن بكل أساليبه الحسنة، وكان على خلق عظيم، وحياء لا نظير له، أشدّ حياءً من العذراء في خدها، فكان من المعقول والمناسب لحياءه وخلقه أن يستعمل في كلامه الكناية بالألفاظ الحسنة عن الألفاظ المستهجنة، فصارت النّفوس بعد ذلك من القرآن لا تشبع والآذان إليه أسمع، لأنّه القرآن الذي لا اعوجاج فيه ولا يمكن لأحد أن يقدّم أو يؤخّر، أو يتمنّى أنّ كلمة ما وضعت في مكان غير موضعها.فالحمد لله على نعمه الكثيرة التي لاتحصى وأعظمها الإسلام والقرءان الكريم المعجزة الباقية الراقية ،النافعة لمن عرف قدرها وطعم حلاوتها ،نسأل الله أن يرزقنا تلاوة القرءان وحلاوته وتدبّره والعمل بما فيه،إنه ولي كل شيئ والقدر عليه .



 
 
باقي على شهر رمضان


العدد 16 

 

رسالة البدر

images/resized/images/stories/demo/18-1_78_59.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-2_78_63.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-3_78_48.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-4_78_59.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-5_78_55.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-6_78_53.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-7_78_48.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-8_78_55.jpg

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد المجلة

المحاور الرئيسية