- خطأ
|
21 أغسطس 2009
مقدمـة: لقد عرفت بلاد من المغرب العربي ألا وهي بلاد شنقيط(موريتانيا) عددا كبيرا من العلماء الذين استفاد منهم أهل مصر وغيرهم من هؤلاء
العلماء العلامة محمد سالم بن عبد الولود المشهور بـ
(عدود)، الذي كان له الفضل على طلاب العلم من كل أصقاع الدنيا، الذين
عليه وفدوا ومن العلم أخذوا ولخيره وفضله وزهده شهدوا. ومن أكثر الناس استفادة منه
بعد أهل بلده، الشباب الجزائري الذي بدأ الرحلة إليه منذ التسعينيات، حيث أحسّوا
بالحاجة إلى العلم عندما صدمهم الجهل والبدع مثل التكفير، ولبّس عليهم الخوارج والمبتدعة
دينهم، واحتار العقلاء إذ لم يفهموا من العقلاء، عند ذلك تيقن الشباب النجباء أنّه
لا يمكن التمييز من الحق والباطل وأهل كل واحد منهما إلاّ بالعلم، وهذا العلم لا
يمكن نواله إلا من أهله وورثته، كما أنّه لابدّ من مفاتيح وعلم بالوسائل والآلات
كعلوم العربية والأصول وغيرهما، مما يعين الطالب على ذلك هذا البلد المجاور
موريتانيا الذي اشتهر بهذه العلوم وكثر فيها العلماء مثل عالمنا وشيخنا محمد سالم،
الذي سنذكر شيئا من شمائله التي تذكرنا بالعلماء والعبّاد والأدباء والشعراء الأسياد.
التعريف بالشيخ:
نسبه ومولده:
هذا هو الشيخ كما عرفناه اسمه محمد سالم بن محمد علي إبن عبد الودود (عدود)، ولد سنة 1348 هـ بالملتقى قرب بئر الأجم في غرب موريتانيا حاليا. وكان أبواه عالمين مما هيئا له البيئة الملائمة لتحصيل العلوم منذ النشأة الأولى، زيادة على ذلك أنّه ولد في مجتمع كان يحتشد فيه العلماء إحتشاد النجوم السيارة، فقد كثر العلماء في بلده على إختلاف مشاربهم وتنوع معتقداتهم، ولكن الشيخ أخذ من هذا وذاك وبعُد عن الجمود وتميّز بصفائه العقيدة وإتباع سلف الأمة، وخالف بعلم عقيدة آبائه وأجداده.
كان أبوه محمد علي من أبرز العلماء في موريتانيا في أيامه، فإليه يرجع الناس إذا إختلفوا، وكان ابنه محمد سالم يلازم حلقاته.
وأما أمه ميمونة المشهورة (بالنجاح)، فكانت فقيهة حفيظة شهيرة، فتحت أمام إبنها شيخنا طرق التوفيق وأبواب المواهب.
طلبـه للعلـم:
ولقد كان الشيخ عدود موهوبا بارعا نابغة، ذا فهم ثاقب وعقل متوقد، مما جعله فريدا في زمانه، إستفاد من أبويه ومن أهل عائلته من العلماء الذين كان العلم فيهم ظاهرة من الظواهر، ومن سافر إلى هذا القطر يتأكد ثم الخبر، فإنّنا رأينا الأولاد الصغار يحفظون القرآن قبل سن البلوغ، ويحفظون كثيرا من المتون وعشرات القصائد والمعلقات، وتسمع لهم بعد منتصف الليل دويا كدوي النحل توقظهم أمهاتهم ليتوجهوا إلى شيخ كبير ليدرسهم، وفي هذا المجتمع يعدّ عيبا للأسرة التي لا يحفظ أهلها القرآن، حتى العجائز كنّ حافظات لكتاب الله وما تيسر لهن من العلوم، فلقد عايشت بعض السنوات في شهر رمضان تطلب العجوز منهنّ طالبا من المدرسة لتعرض عليه القرآن في رمضان، فيجدها تتقن أفضل منه الحفظ.
وإذا كان المجتمع بهذه الصورة وشيخنا بذلك الذكاء فلا شك أنّ الأثر يكون بالغا والتأثير قويا في إعداده إعدادا علميا متميزا، ولذا كنت طفولة الشيخ ليست كطفولة غيره، بل كانت عامرة بالتحصيل بعيدة عن اللعب والتضييع، فحفظ القرآن برواية ورش عن نافع في فترة مبكرة، وفي هذا الوقت أتقن الإعراب وأشعر العرب وأنسابهم وأخبارهم وحفظ أحداث السيرة والتاريخ الإسلامي ونهل من معين الأدب وكل هذا كان على يد أمه النجاح وعمته عائشة رحمهما الله تعالى، وفي وقت الصبا قبل سن الرشد حفظ على يد والديه عشرات المتون: المختصرة، المتوسطة والمطولة.
من محفوظاتـه:
1- الكافية الشافية في النحو الصرف لإبن مالك وعدد أبياتها 2780 بيتا.
2- ألفية السيوط في البلاغة.
3- ألفية الحافظ العراقي في مصطلح الحديث.
4- الكوكب الساطع، نظم جمع الجوامع في أصول الفقه لجلال الدين السيوطي، وعدد أبياته 1450 بيتا.
5- تحفة المودود في المقصور والممدود لإبن مالك، وهي 250 بيتا تقريبا.
6- ألفية إبن مالك مع الجامع المختار لإبن بونا، وزيادات الناظمين والتي يصل عدد أبياتها إلى 4000 بيت.
7- موطأة الفصيح في اللغة.
8- الدرر اللوامع في أصل مقرأ الإمام نافع.
9- قرة الأبصار في السيرة.
10– عمود النسب للبدوي.
11-نخبة الفكر في إصطلاح أهل الأثر لإبن حجر.
12- تحفة الحكام لعلم القضاء لإبن عاصم الغرناطي وهي 1350 بيتا.
وحفظ عدة أنظام في الفقه المالكي، والعجيب المدهش الذي لا نظير له في هذه المحفوظات، أنّه كان يحفظها حفظا متقنا، يستحضر منها ما شاء في أي وقت شاء، فلو سمعته حين يسوق الأدلة والنقول والشواهد والحجج في المسألة الواحدة لتعجبت من ذلك، فإنّ استدل بالقرآن فإنّ نظائر الآيات على طرف لسانه.
وإنّ استدل بالحديث فإنّه يورد الحديث بألفاظه، قال الحكمي في وصف ذلك: وما سمعته يقول بما معناه أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن تكلم في مسألة من مسائل اللغة أتى بكنوز كبيرة من المعاجم دون أن يتصرف في مفرداتها بالمعنى يستحضر في كل ذلك الشواهد الشعرية على ما يذكره، وإن أنشد الشعر، فإنّ الكثير من شعر العرب بمثابة النفس عندهم، وقد عاتبه بعضهم فقال: إنّك تسرق من شعر الشعراء القدامى، فقال: كيف أسرق ما صار ملكي، وإن تكلم الشيخ في الأنساب والسير والأخبار فالعجب العجاب، فإنّه يتكلم على نسب رجل، فيذكر أجداده وما يتصل بهم من القبائل من جهة الخؤولة أو العمومة أو المصاهرة.
وقد ذكر الشيخ الحكميّ قصة وقعت مع الشيخ محمد سالم عندما إجتمع معه عند بعض الأفاضل من أحفاد أهل الشيخ، فأثنى شخنا على دعوة الإمام المجدد ثم تكلم عن نسبه فقال: أنتم من أهل السود من تميم وتكلم عن تميم كلاما لم يسمع به من قبل حتى أدهش الحاضرين، مما يدل على براعته وقوة حافظته وسرعة بداهته، والأغرب من هذا أنّ الكتب الذي حفظها مما ذكرنا ما حفظها إلا عن طريق السمع فلم يكتب منها شيئا كما حدثنا هو عن نفسه رحمة الله في إحدى حلقاته فقال: لم أكتب في اللّوح سوى سبعة(7) أبيات من قصيدة امرئ القيس:
قفا نبكي من ذكر حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل
قال ثم ألقيت عني اللوح وإعتمدت على السماع وكان فتى صغيرا، ثم لمّا برع في علوم اللغة والفقه والأصول وغيرها، أرسله والده في رحلات علمية إلى العلماء والقضاة ليحضر مجالسهم ويجيزونه في مروياتهم، وواصل الشيخ حفظه لمتون كبيرة بعد ذلك مثل:
- كتاب الإعلام بمثلث الكلام لإبن مالك في نحو 5000 بيت.
- ألفية العراقي في السيرة.
- الرسالة لإبن أبي زيد القيرواني.
- التسهيل لإبن مالك.
- مختصر خليل في الفقه المالكي وغيرها من دواوين الشعر والمتفرقات، ويدرك قوة حفظه وغزارة علمه من سمع كلامه أو جلس إليه أو قرأ كتبه، ومع هذا فإنّه كان شديد التواضع.
تواضعـه:
لقد كان في قمة التواضع وهضم حق النفس، ومن مظاهر ذلك أنّه كان يجلس للتدريس، فلو أتاه طالب واحد إلى المجلس ليدرس فنا معينا لدرّسه حصته، وبعد ذلك بأتيه آخر فيدرسه على حده، وبعده تأتي جماعة فيدرسها، وكان يحب أن يدرس المبتدئين، فيقول: أحب أن أدرس مبادئ العلوم مثل مقدمة النحو ونظمه في العقيدة وغيرها، وكان بإمكانه أن يكلف أحد طلابه الكبار بتدريس هذه المقدمات كما يفعل أقران من العلماء.
ومن تواضعه أنّه كان يأتيه الطلبة الأعاجم من أمريكا وفرنسا فيجلس إليهم ويدرسهم ويصحح إليهم حتى مخارج الحروف، ومن جميل تواضعه ما ذكره كذلك عبد الله ابن سفيان الحكمي الذي طبع بعض كتبه، أنّه قال: سألته عن أهم المتون الذي يحفظها، فأجابني قائلا أنا أحفظ القرآن، قال فتملكتني الحيرة من هذه الإجابة، وأنا أعلم يقينا أنّه يحفظ العشرات من متن الكتب وآلاف القصائد الشعرية، ولكن أراد أن يصرفني عن الحديث عن نفسه أنّه كان لا يحب ذلك.
ومن حسن تواضعه معاشرته لأهله أنّه كان حينما يفرغ من تدريس الطلبة يجلس إليهم في المساء ليدرّس ويُؤنس.
وأمّا زوجته التي كانت تحضر الدروس مع أهل بيته وخدمه من وراء الحجاب عندما يدرس في الخيمة، فكان يخصص لهذه المرأة بعد المغرب فيخرج معها إلى الأماكن الخالية لحاجة عظيمة وحق كبير وعمل يحبه الله ورسوله، إنّها كانت تعرض عليه القرآن في هذا الوقت دائما، لأنّها كانت ضريرة ذهب بصرها ولكن الشيخ هو صبرها وهو بصرها، وكان يقول لأبنائه في حقها:
وحدت أمكم لتتحدوا فتنافسوا في برها كي تسعدوا
علما أنّ الشيخ كان وزيرا وقاضيا، ومع هذا يتواضع لهذه الزوجة الضريرة، وكانت أحيانا توقفه أثناء الدرس لتسأله عن مسألة أو مشكلة فيوضحها، ولم يُرى الشيخ ضاحكا إلاّ مبتسما كما عرفه الطلاّب والأصحاب، ومن شدة تواضعه أنّه كان يرفض التسجيل لدروسه فغاب بسبب ذلك خير كثير بسبب الإفراط في التواضع، وكان يحتج بأنّ التسجيل أثناء التدريس الشفهي يكون فيه الحشو ويعتريه التكرار والركاكة أحيانا من أجل التفهيم.
وهذا ينبهنا على أمر مهم ذكره الحكم، وهو يفرق بين المشارقة والمغاربة أنّ بعض المؤلفين في دول المشرق تجده يجمع ويؤلف ويطبع مع أنّ علمه لا يساوي الحبر والورق التي كتب عليها، وتجد في المغرب العربي العالم الجليل لا يلقي إهتماما للتأليف والتسجيل.
ومن تواضعه أنّه يمازح الطلاب، ومنهم الجزائري ويتكلم بالأمزيغية مكسرة، ويشفق لحال الطلبة الذين تصعب عليهم طبيعة صحراء موريتانيا، فيسليهم ويؤنسهم رحمه الله تعالى.
شعره:
كان الشيخ شاعرا يتمكن من حفظ القصيدة لأول مرة يسمعها، وكان بارعا للشعر نبغ فيه مبكرا، إنتبه لذلك أحد خدامه أو عبيد أبيه، فسمعه يقول الشعر في سن الثالثة من عمره، فأخبر والده بذلك، فاعتنى به وعلم أنّه يكون له شأن كبير.
ومن ذلك ما ذكره عن نفسه من بديهة قوله الشعر، أنّ أمه النجاح كانت تلقي درسا في السيرة، فنظمت أسماء الذين بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم، ليعرفوا أخبار المشركين، فقالت في قصيدتها:
واردة النبي يوم بدر إبن أبي الزغباء وأبن عمرو
المزنيّان عديُّ بسبسُ ......................
ثمّ قالت له: أكمِل، وهو يومئد غلام، فقال: (وما كلُ أمّ نورها يقتبسُ).
وكان الشيخ يرتجل الشعر، فيقول في المناسبة قصيدة دون تحضير ويشكر الطالب على الفائدة بقصيدة أخرى.
وكانت له القدرة على نظم الآلاف من الأبيات في شتى
العلوم، وهذا ما سنعرفه في العدد اللاحق بإذن الله تعالى.



















