9:31 7:53 4:35 12:46 3:54
 
خطأ
  • XML Parsing Error at 1:337. Error 9: Invalid character
 صِيَامُ رَمَضَانَ، مَسَائلُ وَأَحْكَامٌ الْـحَمْدُ للهِ ربِّ العالَـمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على نبيِّنا مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وصحْبِه أجْمَعينَ؛ أَمَّا بَعْـدُ:  فقدْ بدَا حاجبُ شَمْسِ رمضَانَ، وكاد يطلُّ علينَا بخَيْراتِه، وانْبَعَثَتْ نسمَاتُهُ فِي شَعْبَانَ، مُبَشِّرًا بقدُومِه وتجلِّياتِه؛ فكان لزامًا على الْـمُسْلِم أنْ يتعلَّمَ أحكامَه قبلَ أنْ يَهِلَّ هلالُـهُ، فكَمْ مِنْ إِنْسانٍ يظنُّ نفْسَه صائِـمًا، والأمرُ على خلافِ ظنِّهِ.
بناءً على هذَا؛ عَزَمْتُ على مذاكرةِ إِخْوانِي الْـمُسْلمينَ شَيْئًا مِن أحكام صيامِ رمضانَ، لعلَّنا نَمْتَثِلُ قولَ الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) حقَّ الامْتِثَالِ؛ وقد ذكرتُ في هذا الـمقالِ ما ترجَّحَ لي دليلُهُ، وقَوِيَ تَعْليلُهُ، وأعْرَضْتُ عن ذكْرِ الخلافِ إلَّا إشارةً في بعضِ الـمواضعِ؛ فأقولُ:
 أَوَّلًا: تَعْرِيفُ الصَّوْمِ وَحُكْمُهُ:

      1 * الصِّيَامُ: في اللغةِ: الْإِمْسَاكُ، ومنه قولُ اللهِ تعالى: (فَإِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) أي: إمْساكًا عن الكلامِ؛ ويُقال: خَيْلٌ صِيَامٌ؛ أيْ: مُمْسِكَةٌ عَن الصَّهِيلِ؛ وقيلَ: مُمْسِكَةٌ عَن الْـجَرْيِ.

      2 * وشَرْعًا: إِمْسَاكٌ بِنِيَّةٍ عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصةٍ فِي زمنٍ مَخْصُوصٍ مِنْ شخْصٍ مخصوصٍ.

      - (إِمْسَاكٌ بِنِيَّةٍ) فالصِّيامُ لا يَصِحُّ إلا بنيَّةٍ قبلَ الفَجْرِ.

      - (عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصةٍ) كالأَكْلِ والشُّرْبِ والجمَاع، وسائرِ الـمُفَطِّراتِ.

      - (فِي زمنٍ مَخْصُوصٍ) وهو مِنْ طلوعِ الْفَجْرِ إلى غُرُوب الشَّمْسِ، قال تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْـخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْـخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ).

      - (مِنْ شخْصٍ مخصوصٍ) أي: مُسْلِمٍ؛ عاقلٍ؛ بالغٍ؛ قادِرٍ؛ مُقِيمٍ، وتزيدُ الْـمرْأَةُ بخُلُوِّها مِنْ دم الحيْضِ والنِّفَاسِ.

      3 * فَائِدَةٌ 1: فُرِضَ صِيامُ رمضَانَ باتِّفاقِ أَهْلِ العِلْمِ، في السَّنَة الثَّانيةِ مِن الهجرةِ، فَصام النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تِسْعَ رمضَانَاتٍ.

      4 * فَائِدَةٌ 2: الصِّيَامُ لَـمَّا كان شاقًّا على النُّفوس، شُرِع تدْرِيجِيًّا؛ فكان الواجبُ صيامَ يومِ عاشوراءَ، ثُمَّ نزلَ صيامُ رمضانَ مع التَّخييرِ؛ مَنْ أراد أنْ يصومَ ومَن أرادَ أنْ يُفْطر، ثُمَّ نُسِخ التَّخْييرُ في حقِّ القادِرِ، ويبْقى الإطْعام في حقِّ مَنْ لا يَسْتَطِيعُ.
      5 * والصَّوْمُ: واجبٌ بالكتابِ والسُّنَّة والْإِجماعِ؛ فمنْ جحدَ وُجوبَهُ فهو كَافِرٌ اتِّفَاقًا.
 

      * ثَانِيًا: أَحْكَامُ يَوْمِ الشَّكِّ:

      1 * يومُ الشَّكِّ: هو يومُ الثَّلاثينَ مِن شَعبانَ إذا حال دونَ منظَرِه غيمٌ أو قترٌ.

      2 * حُكْمُه: لَا يجوزُ صومُه (حَرَامٌ)؛ لقولِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رضي الله عنه: (مَنْ صَامَ اَلْيَوْمَ اَلَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا اَلْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

      3 * إلَّا لِـمَنْ وافقَ عادةً له مِن صيامٍ؛ لحديث: (لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ).
 

      * ثَالِثًـا: أَحْكَامُ الرُّؤْيَةِ:

      1 * يثْبُت دخولُ شهرِ رمضانَ برُؤْيةِ عدْلٍ واحدٍ على الصَّحيحِ؛ لحديثِ ابنِ عُمرَ: (تَرَاءَى اَلنَّاسُ اَلْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ  صلى الله عليه وسلم أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ اَلنَّاسَ بِصِيَامِهِ).

      2 * ولَيْسَ هذا إلَّا لرمضَانَ بإجماعِ أهلِ العلم [حكاهُ ابنُ الْـمُنذِرِ وابْنُ عَبْدِ البَـرِّ والنَّوَوِيُّ وابْنُ هُبَيْرَةَ].

      3 * ويثْبُت خروجُه بشَاهِدَيْنِ إجماعًا [حكاهُ ابْنُ رَاهُويَه]، والخلافُ فيه حادثٌ.

      4 * ولا يجوزُ الاعْتِمادُ على الحسَابِ للنَّصِّ السابقِ، وهو إجماعٌ [حكاهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ]، والخلافُ فيه غيرُ مُعْتبرٍ.
 

      * رَابِعًا: نِيَّةُ الصَّوْمِ:

      1 * تَجِبُ النِّيَّةُ للصِّيامِ مِن اللَّيْلِ -قَبْلَ الفَجْرِ-، لحديث: (مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ اَلصِّيَامَ قَبْلَ اَلْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ).

      2 * لابُدَّ أنْ تكونَ النِّيَّةُ جازِمَةً؛ فلو أنَّ رجلًا في سفرٍ، قُبَيْلَ الفجرِ أصومُ أو أفطرُ؛ لم يجْزِم حتَّى طلعَ عليه الفجْرُ، فلا يُجزئُه صومُ هذا اليومِ مِن رمضانَ.

      3 *  التَّرَدُّدُ في الْفِطْرِ: رجلٌ مسافرٌ (أو مريضٌ)، نوى الصَّوْمَ مِن الليلِ، وأصبحَ صائمًا، ولكنَّه بعْدَ ذلك ترَدَّد: هل أُكْمِلُ صوْمِي أو أفْطرُ؟ فيه خلافٌ؛ فقيلَ: إنَّه لا يُفْطرُ بذلكَ؛ وهذا هو الرَّاجِحُ، لأنَّ الأصْلَ بقاءُ ما كانَ على ما كانَ، وهذا لَـمْ يَنْوِ القَطْعَ، وإنَّما تردَّدَ: هلْ يقْطَعُ نيَّتَه أوْ لا يقْطَعُها؟

      4 * يجوزُ في صيامِ النَّفْلِ أنْ يَنْوِيَهُ مِنْ أثْناءِ النَّهار؛ لحديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ اَلنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: (هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟) قُلْنَا: لَا، قَالَ: (فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ)، ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: (أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ)، فَقَالَ: (أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا) فَأَكَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

      ولكن لَيْسَ له مِن الأجْرِ إلَّا ما نَوَى.
 

      * خَامِسًا: أَعْذَارُ الْفِطْرِ:

      1 * الْـمَرِيضُ؛ قالَ اللهُ تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)؛ وما هُو الْـمَرَضُ يسوغُ معه الفطرُ؟

    هو الـمرَضُ يشقُّ معه الصيامُ؛ لأنَّ المقصودَ رفعُ الحرَجِ، والحَرَجُ إنَّما يكُون بالْـمَرَضِ يشقُّ معه الصيامُ، فلو كان فيه صُدَاعٌ شديدٌ؛ فاحتاجَ معه إلى الدَّواء؛ فله أنْ يُفْطِر.

    أمَّا لو كان الصُّداعُ يسيرًا، أو الزُّكامُ يسِيرًا، فليس له أنْ يُفْطِرَ.

    * ومثلُه: إذَا كان الصَّومُ يُؤخِّرُ بُرْءَه أو يَزِيدُ في مرضِه.

    * أمَّا إن كانَ الـمَرَضُ يضُرُّ معَهُ الصَّوْمُ؛ فيجبُ عليه أن يُفطر في أصحِّ القَوْلَين، لحديثِ: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ)؛ واختارَه ابْنُ عُثَيْمِين.
      2 * الْعَاجِزُ عَنِ الصِّيَامِ عَجْزًا مُسْتَمِرًّا:

    الشَّيْخُ الكبيرُ أو الـمرأةُ الْعَجُوزُ اللذَانِ لا يستطيعَانِ الصومَ؛ وفي حُكْمِه: الْـمَرِيضُ الذي لا يُرْجَى بُرْؤُه [بإِخْبارِ طبيبٍ أو بالْعَادةِ] يُفْطِران ويُطْعِمان عن كلِّ يومٍ مسكينًا، وقد جاءَ في الْبُخَارِيِّ مُعَلَّقًا: (فَقَدْ أَطْعَمَ أَنَسٌ بَعْدَ مَا كَبِرَ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا خُبْزًا وَلَـحْمًا وَأَفْطَرَ).

    * مَسْأَلَةٌ: ما تقدَّم مِن حكم الشَّيْخِ الكبيرِ، هذا إذَا كان له عَقْلٌ، أمَّا إذا كان به خَرَفٌ، فهذا قدْ رُفِع عنه التَّكْلِيفُ، ولا يُطْعَم عنه؛ لأنَّه غيرُ مكَلَّفٍ.

    * مَسْأَلَةٌ: مِقْدارُ الْإِطْعامِ.

    هو نِصْفُ صاعٍ عنْ كلِّ يومٍ مِن بُرٍّ أو شَعِيرٍ أو أُرْزٍ أو تَمْرٍ؛ وهذا نحوُ 1500 من الجْرَامَات (1.5 كغ) [مِن بابِ الاحْتياطِ]، وله أنْ يُقدِّمَه مَطْبوخًا.

    وله أنْ يُطْعِم في أوَّلِ الشَّهْرِ أو وسطِه أو آخرِهِ؛ لا فرقَ بين ذلكَ كُلِّهِ.
      3 * الْـمُسَافِرُ: له ثلاثُ حالاتٍ:

      1 – إنْ كان الصيامُ يشقُّ عليه مشقَّةً شديدةً، حرُمَ عليه الصَّوْمُ؛ لحديث: (لَيْسَ مِنَ الْبِرُّ: الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ)، وحديث (أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ، أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ).

      2 - إنْ كان الصيامُ يشقُّ عليه مشقَّةً مُحْتملةً، جازَ له الصَّوْمُ، ولكِنْ إنْ كانَ الصَّومُ يُضْعِفه عن بَعْـضِ العِـبَـادَاتِ الْـمُهِمَّـةِ؛ فالفطرُ في حقِّه أفضلُ؛ لأنَّه فِعْلُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.

      3 - إنْ كان الصيامُ لا يشُقُّ عليهِ، كان الصَّوْمُ في حقِّه أفضلَ؛ وجازَ له الفطرُ؛ وكونُ الصَّوْم أفْضَلَ؛ لأنَّ هذا فيه إبْراءٌ للذِّمَّةِ، وفيهِ صيامٌ رمضَانَ فِي زمَنِه، ولا شكَّ أَنَّ زمَنَهُ أفْضَلُ مِن القَضَاء بعْدَهُ.

      4 * الْـحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ؛ يجبُ عليهما الفطْرُ، ولا يجوزُ لهما الصِّيامُ؛ وإذا صامتا أثِمَـتَا، ولم يُجْزئْهُما مِن رَمضَان.

      5 * الْـحَامِلُ وَالْـمُرْضِعُ: لهما حالان:

    1 – إذا أفْطرتا خوفًا على أنْفُسِهما فقطْ، أو خوفًا على النَّفْسِ والولدِ، فعليهما القضاءُ؛ لأنَّهما في حُكم الـمَرْضَى.

    2 – وإن كان فطرُهما خوفًا على الولدِ فقطْ، فعليهما القضاءُ؛ وهل يجبُ عيهما الإطعامُ؛ فيه خلافٌ، والْإِطْعامُ: أحوَطُ.

    * والذِي يُطْعمُ هو ولِيُّ هذا الولدِ، أيْ: الذِي يُنْفِقُ.

      6 * مَن غَلبَهُ الْـجُوعُ أو العطَشُ الشَّدِيدُ الذي يخَافُ معه الْـهَلَاكَ على نَفْسِه، أو نُقْصانَ عقْلِه، أو ذهابَ بصرِه، أو سمْعِه، أو بعضِ الحواسِّ الأُخْرَى، فيجوز أن يُفْطِرَ بما يسُدُّ رمَقَهُ؛ ثمَّ يُكْمِل الْإمْساكَ بقيَّةَ يومِهِ؛ ثمَّ يَقْضِيه.

      7 * الْـمُجَاهِدُ فِي سَبيلِ اللهِ: له أنْ يُفْطِرَ ولو كان في الحضَرِ، أفْتَى بهذا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وفعلَهُ لمَّا جاءَ التَّتارُ إلى دِمَشْقَ.

    وذلك لأنَّ هذا يُقَوِّي المجاهدينَ في سبيل الله على قِتال العدُوِّ، ولا شكَّ أن هذا أعظمُ مِن الفطر لمرضٍ أو لسفرٍ أو لغير ذلك؛ لأنَّ الأعداءَ إذا استولوا على بلاد المسلمين أفسدُوا في الأديان وفي الأموال وفي الأعراضِ؛ ففي الفطرِ حفظٌ للأديان والأموال والأعراضِ.
 

      * سَادِسًا: مُفْسِدَاتُ الصَّوْمِ:

      1 – الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ؛ لقولِه تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ).
      2 – الْـجِمَاعُ؛ لقوله تعالى في الحديثِ القُدُسِيِّ: (يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي)، ولحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى اَلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (وَمَا أَهْلَكَكَ؟) قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى اِمْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: (هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟) قَالَ: لَا. قَالَ: (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟) قَالَ: لَا. قَالَ: (فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟) قَالَ: لَا، ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِي اَلنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: (تَصَدَّقْ بِهَذَا)، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ اَلنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: (اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) رَوَاهُ اَلسَّبْعَةُ.

      فيجب على مَن جامعَ في نهارِ رمضانَ: التَّوبةُ، والقضاءُ، والكَفَّارةُ؛ وتجبُ على الزَّوْجةِ الْـمُطَاوعةِ مِثْلُهُ؛ لحديث: (النِّسَاءُ: شَقَائِقُ الرِّجَالِ).

      3 – إِنْزَالُ الْـمَنِيِّ بِاخْتِيَارِهِ: يُفْطِرُ صاحبُه عند عامَّةِ العلماءِ؛ حتَّى قال الْـمُوَفَّقُ: (بلا خلافٍ أعْلَمُه)؛ وذلك لأنَّ الـمَنِيَّ هو الشهوةُ؛ كما جاء في الحديث: (أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ...؟)، فقالَ: (أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا...؟) أيْ: الشهوةَ؛ والـمَوضُوعُ: هو الـمَنِيُّ؛ وقد جاء في الحديثِ: (يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي).

      4 – مَا كَانَ فِي مَعْنَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ:

            أ     - الْإِبَرُ الذِي يَسْتَخْدِمُهَا الْـمَرْضَى، إن كانت لا تشتمِلُ على غذاءٍ بتقريرِ الطبيبِ الثقةِ فإنَّها لا تفطِّر، كالإبرةِ التي تُعْطى لِـمَن له ارتفاعٌ في السُّكَّري، فإنَّها لا تفطِّر، وكذَا إبرةُ التَّطْعِيمِ لا تُفطِّرُ.

            أمَّا الْـمَرِيضُ الذي عندَه انخفَاضٌ في السُّكَّري، فتُعطى له حقنةٌ لتَرْفعَ له السُّكَّري، فإنها تفطر الصائمَ، لأنَّها تشتمِلُ على غذاءٍ (غُلُوكُوز).

            ب - الغَسِيل الكلَوِيُّ الـمجرَّد عن الغذاءِ (الْفِيتَامِين)؛ لا تفطِّر الصائمَ؛ ولكنَّ العادةَ أن الأطباءَ يُضيفُون شيئًا من الفِيتَامِينَاتِ التي تُقَوِّي البدنَ، فإذا كان الأمرُ كذلك فإنَّه يُفَطِّرُ.

            ج  - التَّدْخينُ، الدُّخَانُ الذِي ابْتُلِيَ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ، فإنَّ هذا يُفطِّر الصائمَ؛ وقد ذكر أصحابُ الـمَوْسُوعةِ الكُوَيتِيَّة الاتفاقَ على ذلك، فإنَّه يُسمى شرَابًا في العُرْفِ.

      5 – الْـحِجَامَةُ؛ لا تُفطِّرُ الصَّائمَ على الصَّحيح؛ وحديث: (أَفْطَرَ اَلْـحَاجِمُ وَالْـمَحْجُومُ) منسوخٌ بحديث أَبِي سعيدٍ: (رُخِّصَ لِلصَّائِمِ فِي الْـحِجَامَةِ وَالْقُبْلَةِ).

      وهذا هو الرَّاجِحُ؛ إلَّا أنَّ الأحوطَ أنْ لا يَحْتجِم الصائمُ أثناءَ صومِه، بل يُؤَخِّرُها إلى اللَّيل بقَدْرِ الإمكانِ؛ وإنِ اضطُرَّ إليها ورأَى أنَّه يصومُ يومًا بدلَه احتيَاطًا؛ كان حسَنًا.
      6 – الِاسْتِقَاءُ عَمْدًا؛ مُفْسِدٌ للصيامِ؛ لحديث: (مَنْ ذَرَعَهُ اَلْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ اَلْقَضَاءُ)؛ سواءٌ خرجَ منهُ شيءٌ، أو لَا؛ لأنَّه إِن لم يَخْرُجْ شيءٌ كان ناويًا للفِطْرِ، ومَن نوَى الإِفْطَارَ أفْطرَ.

      7 – خُرُوجُ دَمِ الْـحَيْضِ وَالنِّفَاسِ.

      لو كانَت الْـمرأةُ صائمةً؛ ثمَّ خرج منها دمُ الحيضِ أو النِّفاسِ أثناء النَّهار، بطل صومُها، ووجبَ عليه الفطرُ، ووجبَ عليه قضاؤُه؛ حتَّى ولو خرجَ قُبَيْلَ أذانِ الـمغربِ بدقائقَ.

      8 – نِيَّـةُ الْإِفْطَارِ؛ يقولُ الْفُقَهاءُ: (مَنْ نَوَى الْفِطْرَ أَفْطَرَ).

      وذلكَ؛ لأنَّ الصِّيامَ: (إِمْسَاكٌ بِنِيَّةٍ عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصةٍ فِي زمنٍ مَخْصُوصٍ ...)، فإذا نوَى الفطْرَ في السَّاعةِ الثانيةِ عشرةَ، فهذا الزَّمنُ لم يدخُل في الصِّيامِ، فلم تَسْتَوْعِب النِّيَّةُ يَوْمَه كلَّهُ.

      9 – الرِّدَّةُ عَنِ الْإِسْلَامِ، يُفْسِدُ الصَّومَ؛ وذلك كأنْ يَسُبَّ اللهَ تعالى أو رسولَه صلى اللهُ عليه وسلَّم أو يسبُّ الدِّينَ، أو يفعلُ ناقضًا مِن نواقضِ الإسلامِ.

      * حُكْمُ مَنْ أَفْطَرَ عَامِدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ:

    يجب عليه التوبةُ إجماعًا، والقضاءُ على الصَّحيحِ، لحديث الْـمُجامعِ عندَ أبي دَاوُدَ: (وَصُمْ يَوْمًا)، والكفَّارةُ على الصَّحيح؛ وهذا في المجامعِ إجماعًا، أمَّا في غيرِه، فقِياسًا على الْـمُجامعِ بجامع انْتهاكِ حرمةِ رمضانَ؛ ولـمَا أخْرَجَه الْـحَاكِمُ مَرْفُوعًا: (مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ) وصحَّحه الْـحَافِظُ كما مرَّ، وحسَّنه الْأَلْبَانِيُّ كما في صَحِيحِ الْـجَامِعِ، مفهومُهُ: أنَّ مَنْ أفْطرَ عامدًا فعليه القَضَاءُ والكَفَّارَةُ.
 

      * سَابِعًا: الْـمُحَرَّمَاتُ فِي الصِّيَامِ:

      1 – الْكَذِبُ.

      2 – قَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ.

      3 – الْغِيبَةُ.

      4 – النَّمِيمَةُ.

      5 – الْغِشُّ فِي الْـمُعَامَلَاتِ.

      لحديث: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ اَلزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْـجَهْلَ، فَلَيْسَ للهِ حَـاجَـةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.

      والزُّورُ: يطْلَق على الكذِبِ، ويُطلق على ما هُو أعمُّ مِن الكذِبِ؛ كقولِ الباطلِ والعملِ بمُقْتضاهُ [فيَدْخُل فيه الكذبُ وقولُ الزورِ وشهادةُ الزورِ].

      وَالْـجَهْلَ أيْ: السَّفَهَ، وفي دعاءِ الخرُوجِ مِن الْـمَنْـزِلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ) ومِن الجهلِ: الإساءَةُ إلى الآخرينِ، والتعرُّضُ لحرُمَات الْـمُؤْمِنين [فيَدْخلُ فيه: الغيبةُ والنَّميمةُ والغشُّ].

      6 – الْـمَعَازِفُ وَآلَاتُ اللَّهْوِ وَالطَّرَبِ؛ وهي حرامٌ في رمضانَ وغيرِه، وهي في رمَضَان أشدُّ حُرْمةً.

      7 – اجتنابُ جميعِ ما حرَّم اللهُ.

      لأنَّ حقيقةَ الصَّوْمِ: الإعراضُ عن حُرُمَات الآخرينَ، وحفظُ اللسانِ والفرجِ، وليس الصومُ مجرَّدَ إمساكٍ عن الطعامِ وعن الشرابِ، كما هو صومُ الكُسَالَى الذين يسْهَرُون معظمَ الليلِ، وربما صلَّى الفجْرَ، وربَّما لم يُصَلِّ، فينَامُون إلى صلاة الظهرِ، هذَا الكيِّسُ منهم؛ وإلَّا فبعْضُهُم لا يُصَلُّون ولا يستَيْقِظُونَ إلَّا مع غروبِ الشَّمْسِ، وهذا في الحقيقةِ ليس صيامًا، إنَّما هو نومٌ ولعِـبٌ وكَـسلٌ، مثلُ هؤلاءِ مأْزُورُون غيرُ مأجورِين، وهؤلاء ليسَ لله حاجةٌ في أنْ يدَعُوا طعامَهم وشرابَهم.
 

      * ثَامِنًا: آدَابُ الصِّيَامِ:

      1 – السَّحُورُ.

    قد نقلَ ابْنُ الْـمُنْذِرِ الإجماعَ على استحبابِهِ، وكذا نقلَ هذا الإجماعَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رحمه الله في شَرْحِه على صَحيحِ مُسْلِمٍ، وفي حديثٍ: (تَسَحَّرُوا؛ فَإِنَّ فِي اَلسَّحُورِ بَرَكَةً) مُتَّفَقٌ عليهِ.

    وجاء عند أَحْمدَ في الـمُسْندِ: (السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ؛ فَلاَ تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ؛ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْـمُتَسَحِّرِينَ)، وحسَّنه الأَلْبَانِيُّ في صحيحِ التَّرغيبِ.

    * ويُسْتحبُّ تأخِيرُه، لِـمَا جاءَ عن عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ أنَّه قالَ: (كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَ النَّاسِ إِفْطَارًا، وَأَبْطَأَهُمْ سُحُورًا).

      2 – تعجِيلُ الفِطْرَ.

      لحدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَا يَزَالُ اَلنَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا اَلْفِطْرَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

    * مَسْأَلَةٌ: يُستحبُّ عند الفِطْرِ أنْ يقولَ: (ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللهُ) رواه أَبُو دَاوُدَ وهو حسنٌ كما في الإِرْواءِ.
      3 – الإفطَارُ على تَـمْرٍ؛ فإن لَـمْ يجدْ فعلَى ماءٍ.

      لحديثِ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ اَلضَّبِّيِّ رضي الله عنه عَنِ اَلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ؛ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْـحَاكِمُ.

    وهذا ضعَّفه الْأَلْبَانِيُّ في ضعيفِ سُننِ التِّرْمِذِيِّ.

    * لكن يُجْتَنبُ الفِطْرُ على الأشياءِ الحارَّةِ، وقد ذكرَ بعضُ الأطبَّاءِ أنَّ الإنسانَ إذا كان جائعًا، فابتدَأ بالأطعمةِ الحارَّةِ؛ أنَّ هذا ممَّا يُسَبِّبُ أمراضَ السَّرطانِ -سلَّمنا اللهُ منه-.

      4 – صلاةُ التَّراويحِ في جماعةٍ.

      لحديث: (إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ) رواه التِّرمذيُّ، وهو صحيحٌ كما في الْإِرْوَاءِ.

      5 – يُستحَبُّ للصائمِ إذا شتَمَه أحدٌ أو سابَّه.

    إنْ سابَّ الصَّائمَ أحدٌ أو شاتمَهُ، فقد جاء فيه الحديثُ: (إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ؛ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ) رواه مُسْلِمٌ.

    وظاهرُ الحديثِ: أنَّه يقول ذلك جهْرًا، في الفَرْضِ وفي النَّفْلِ؛ وهو الصَّحِيحُ، وهو اختيارُ شَيْخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ وابنِ القيِّم؛ إلَّا إذَا خَشِي الرياءَ في النفلِ فلا يقولُه.

      7 – تَفْطيرُ الصَّائمِينَ.

      لحديث: (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا) وهو صحيحٌ كما في صحيحِ جامِع التِّرْمذيِّ.
 

      * تَاسِعًا: مُبَاحَاتُ الصِّيَامِ:

      1 – الصَّائِمُ يُصْبِحُ جُنُبًا.

    لحديثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ اَلنَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ زَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: (وَلَا يَقْضِي).

    والحديثُ يدل على صحةِ صيام مَن أصبح جنبا؛ ولو لم يغتَسِل إلَّا بعد طلوع الفجر، فليسَ هناك ارتباطٌ بين الغُسل قبلَ طلوع الفجرِ وبينَ الصيامِ.

    وبمنزلةِ الجُنُبِ: الحائضُ إذا طهُرَت قبلَ طلوعِ الفجْرِ يصِحُّ صومُها ولو لم تغتَسِل إلَّا بعد طلوع الفجرِ، وكذلك النفساءُ؛ وأنَّها بمنزلةِ الحائضِ والجنبِ.
      2 – اغْتِسَالُ الصَّائِمِ  أَوْ صَبُّ الْـمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ، والْـمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ.

    لِـمَا جاء عندَ أَبِي دَاوُدَ: عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ: (لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ بِالْعَرْجِ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْـمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ، مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْـحَرِّ) وهو صحيحٌ كما في صَحِيحِ أَبِي دَاوُدَ، وجاء في الْبُخَارِيِّ: (وَبَلَّ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما ثَوْبًا، فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ صَائِمٌ).

    * ويجوزُ له أنْ يتمَضْمَضَ وهو صائمٌ، وهل يُؤْمرُ بعد أنْ يَمُجَّ الـماءَ أنْ يَبْصُقَ؟ حتَّى يُخْرِجَ ما قدْ يكونُ فِي فِيهِ مِن الرُّطوبةِ؟

    قال الحَنَفِيَّةُ: يُؤْمرُ بذلكَ.

    والرَّاجحُ خلافُهُ، وهو اخْتِيَارُ ابْنِ عُثَيْمِين؛ لأنَّ الصحابَةَ كانُوا يتوضَّئُون ويَتَمَضْمَضُون، ولم يَرِد أنَّهم كانُوا يبْصُقُون، ولا أنَّهم كانوا يُؤمَرُون به؛ فدَلَّ على أنَّ هذا يُعْفَى عنهُ.

      4 – تَذَوُّقُ الطَّعَامِ لِلصَّائِمِ.

    الْـمَرْأَةُ التِي تَطْهُو الطَّعام، يجوزُ لها تذوق الطَّعامِ لـمعرفةِ مِلْحِهِ، ثُمَّ تـمَجُّهُ ولا يبْتَلِعُهُ.
 

      * عَاشِرًا: قَضَاء الصِّيَامِ:

      1 – يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا فِي رَمَضَانَ.

      قضاءُ رمضانَ واجبٌ، لقولِ الله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أيْ: فأَفْطرَ، فعدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
      2 – وَيَجُوز لهُ أن يقْضِي متفرِّقًا.

    القضَاءُ لا يَجِب متتَابعًا، فلو فرَّقه فلا بأسَ، ولهذا قال ابْنُ عَبَّاسٍ كما في البُخارِيِّ: (لَا بَأسَ أن يُفَرِّق)، وهذا هو مقتضَى إطلاقِ الآيةِ.

    وقد جاء عند الدَّارَقُطْنِيِّ وصحَّحهُ عن عَائِشَةَ قالتْ: [نَزَلَتْ (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ) فَسَقَطَتْ مُتَتَابِعَاتٍ] أيْ: نُسِخ ذلك.

      ولكنْ قال الفُقَهَاءُ: يُسْتَحَبُّ التَّتابُعُ؛ لأنَّه أسرعُ في إبْراءِ الذِّمَّةِ.
      3 – تأخِير القضَاءِ إلى شَعْبَان.

    يجوزُ؛ لقول عَائِشَةَ في الصحيحين: (كان يكون علي الصوم من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان).

      4 – تأخيرُ القضاءِ إلى أن يأتيَ رمضانٌ آخرُ.

    وليسَ له أن يُؤَخِّرَه حتَّى يجيءَ رمضانَ الذي بعدَه؛ فالقضاءُ وقْتُه موسَّع إلى آخرِ يوم مِن شعبانَ.

    * فإن أخَّره، فيُنْظرُ؛ إن كان بعُذْرٍ كَفَاهُ القضاءُ؛ وإن كان بغَيْرِ عُذْرٍ فعليه قضاءٌ وكفَّارةٌ؛ فيَقْضي ويُطْعِمُ عن كلِّ يومٍ مسكينًا، هذا هو قول الْـجُمهورِ خلافًا للحَنَفِيَّةِ.

    ثَبَت وصحَّ هذا عن أَبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبَّاسٍ، ولا يُعلَم لهم مخالفٌ من الصحابةِ فكان ذلك حُجَّةً، وقد اشْتَهَرَ فكان إجماعًا سُكُوتِيًّا.
      5 – قضَاء الصيامِ على الـميِّت.

      إذا ماتَ الـميِّتُ وكان عليه قضاءٌ مِن رمضانَ أمكنَه قضاؤُها فتأخَّر -لا إنِ استمرَّ معه العذْرُ حتَّى مات- فإنَّه يُستحبُّ لقريبِه القومُ عنه؛ لحديث: (مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

    * فَرْعٌ: ويجوزُ في الصَّومِ عنْهُ أنْ يتَولَّاهُ واحدٌ، وأن يُقْسَمَ على عدَّةٍ أفرادٍ ولو بعددِ الأيَّامِ الـمَقْضِيَّةِ؛ ولو صامُوا في يومٍ واحدٍ، فإنَّ ذلك يُجْزئُه إِنْ شاءَ الله.

    * فَرْعٌ: مرِضَ رجلٌ في رمضانَ مرضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ، فأفْطرَ، فماتَ وعليه صيامٌ مِن رمضانَ، فهذا له حالانِ:

    1 – إنْ كانَ العُذرُ استمَرَّ معهُ، فإنَّه لا يُطْعم عنه باتِّفاقِ العلماءِ.

    ومِثْلُه: امرأةٌ حاضَتْ ستَّةَ أيَّامٍ مِنْ رمضانَ، ثُمَّ ماتت يومَ العيدِ؛ فلم تتمَكَّنْ مِن القضاءِ؛ فهذه لا يُشْرَع لوليِّها أنْ يَقْضِيَ عنها.

    2 – فإنْ زالَ العُذْرُ، كالْـمَرأةِ السَّابقِ ذكرُها، ولكنَّها ماتَتْ في ذِي الحجَّةِ، ولم تَقْضِ؛ فهل يَصُوم عنها وليُّها أو يُطْعَمُ عنها؟ فيه خلافٌ.

      * تَنْبيهٌ: وليس معْنى ذلك؛ أنَّ الشخصَ إذا كان يصومُ في رمضانَ، فصام خمسةً وعشرين يومًا؛ ثم ماتَ؛ أننا نصوم عنه بقيَّة رمضانَ.
هذه بعضُ أحكامِ الصِّيامِ، وأسأَلُ اللهَ أنْ ينفعَ به الْـمُسْلمينَ.

واللهُ أعلمُ، وصلَّى  الله على نبيِّنا مُحمَّدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعينَ

المشاهدات: 1940
التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy

يا أبناء تلمسان، يا أبناء الجزائر

يا أبناء تلمسان، يا أبناء الجزائر

  إنّ العروبة من عهد تبع إلى اليوم تحييكم، وإنّ الإسلام من يوم محمد إلى اليوم يحييكم، وإنّ أجيال الجزائر من اليوم إلى يوم القيامة تشكركم وتذكر صنيعكم بالجميل. يا أبناء تلمسان، كانت عندكم أمانة من تاريخنا المجيد فأديتموها، فنعم الأمناء أنتم، فجزاكم الله جزاء الأمناء. والسلام عليكم ورحمة الله"2. 1_ بعد ما ألحّ الشعب المجتمِع عند مدخل مدرسة "دار الحديث" _عند افتتاحها_صائحين: الرئيس... إقرأ المزيد

l مشاهدات :993 l فذكٌر

كلمة الرئيس ... في إعجاز القرآن الكريم

كلمة الرئيس ... في إعجاز القرآن الكريم

  هي كلمة ألقاها الأخ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بمناسبة الأسبوع الوطني للقرآن الكريم بدار الإمام بالمحمدية بالجزائر العاصمة.                                    بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الـمرسلين وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين:  أيتها السيدات الفضليات، أيها السادة الأفاضل: ما شعرت قط بسمو الإحساس، وباطمئنان النفس، ولا بـمهابة الـموقف وروعته، بـمثل ما أشعر به الآن وأنا أقف... إقرأ المزيد

عبد العزيز بوتفليقة l مشاهدات :2704 l فذكٌر

صِيَامُ رَمَضَانَ، مَسَائلُ وَأَحْكَامٌ

صِيَامُ رَمَضَانَ، مَسَائلُ وَأَحْكَامٌ

  الْـحَمْدُ للهِ ربِّ العالَـمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على نبيِّنا مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وصحْبِه أجْمَعينَ؛ أَمَّا بَعْـدُ:  فقدْ بدَا حاجبُ شَمْسِ رمضَانَ، وكاد يطلُّ علينَا بخَيْراتِه، وانْبَعَثَتْ نسمَاتُهُ فِي شَعْبَانَ، مُبَشِّرًا بقدُومِه وتجلِّياتِه؛ فكان لزامًا على الْـمُسْلِم أنْ يتعلَّمَ أحكامَه قبلَ أنْ يَهِلَّ هلالُـهُ، فكَمْ مِنْ إِنْسانٍ يظنُّ نفْسَه صائِـمًا، والأمرُ على خلافِ ظنِّهِ. بناءً على هذَا؛ عَزَمْتُ على مذاكرةِ إِخْوانِي الْـمُسْلمينَ... إقرأ المزيد

زَكَرِيَّاءَ تُونَانِي l مشاهدات :1940 l فذكٌر

الأمن والإيمان

الأمن والإيمان

الخطبة الأولى: أمّا بعد:  فاتَّقوا الله ـ عبادَ الله ـ حقَّ التقوى، فمن اتَّقى ربَّه رشَد، ومن أعرضَ عن مولاه عاش في كمَد. أيّها المسلمون،فرَض الله الفرائضَ وحرَّم المحرَّماتِ وأوجب الحقوقَ رِعايةً لمصالحِ العباد، وجعل الشريعةَ غِذاءً لحِفظ حياتِهم ودواءًلدَفع أدوائهم، وجاءت دعوةُ الرّسل بإخلاصِ العبادةِ لله وحدَه بخضوع وخشوعٍ وطمأنينة، ومَقَتت ما يصرِف القلوبَعنخالقِها، فكانت أوَّل تضرُّعات الخليل عليه السلام... إقرأ المزيد

بقلم : عبد المحسن القاسم خطيب المسجد النبوي الشريف l مشاهدات :1317 l فذكٌر

حين نشتري الموت و نركبه

حين نشتري الموت و نركبه

 باشرت الإذاعة الوطنية بإطلاق حملة وطنية ذات بعدحضاري و ذلك بتخصيصها لعام 2010 عاما للوقاية من حوادث المرور من خلال شراكتها مع عدة قطاعات و هيئات للتحسيس بأهمية العملية، و خطورة الظاهرة. و حين يتكلم وزير النقل السيد عمار تو عن أهمية هاته المبادرة للمساهمة في إيقاف (إرهاب) آخر يحصد يوميا العشرات من المواطنين لتحتل الجزائر مراتب متقدمة عالميا من مخلفات هذا الإرهاب، وجب مع النداء دق جرس الخطر الذي لم توقفه ترسانة القوانين الردعية التي... إقرأ المزيد

بقلم مديرالتحرير l مشاهدات :2206 l فذكٌر

جيل نوفمبر رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه...

جيل نوفمبر رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه...

هي كلمات قالها المجاهد عبد العزيز بوتفليقة في حق إخوانه من جيل نوفمبر ممن رزقهم الله تعالى الشهادة في سبيل الله تعالى. فقال في شأن أخيه الشهيد العقيد أمحمد بوقرة   قائد الولاية التاريخية الرابعة ...إنّ التاريخ ليس أحداثا ووقائع تتواتر فحسب، بل هو نسيج يستمد حبكته من خصال الرجال الذين يصنعونه، ويكتبون صفحاته بدمائهم أحيانا. وهم إذ يفعلون ذاك، يصبحون حقيقيين بنقش أسمائهم في ثبت الخالدين... إقرأ المزيد

المجاهد عبد العزيز بوتفليقة l مشاهدات :5142 l فذكٌر

خطاب رئيس الجمهورية لنصرة كلام ربّ البرية

خطاب رئيس الجمهورية  لنصرة كلام ربّ البرية

  الجلسة الإفتتاحية للأسبوع الوطني الأول للقرآن بسم الله الرحمان الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أيتها السيدات الفضليات، أيها السادة الأفاضل، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،  وبعد: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الحشر: ٢١،  وقد نزل هذا القرآن على محمد... إقرأ المزيد

السيد: عبد العزيز بوتفليقة l مشاهدات :4063 l فذكٌر

وقالها الشعب

وقالها الشعب

   بداية الكلام: قال الولي الصالح الشيخ عبد الرحمان الثعالبي: إنّ الجزائر في أحوالها عجب          ولا يدوم بها للناس مكروه ما حلّ عُسر بها أو ضاق مُتسع      إلا ويسّر الرحمن من يتلوه الجزائر هذا البلد المترامي في اتجاهات الأرض والبحر... بلادي لم تصنعها صدف, ولم توجدها فراغات, ولكنّها تشكلت وتلاحمت قبل أكثر من عشرة آلاف سنة مكوّنةً حضارة عميقة، إشترك في صقلها الإنسان النوميدي والأمازيغي والعربي ولمّا اقتنع ... إقرأ المزيد

مدير التحرير l مشاهدات :2833 l فذكٌر

البعد الروحي لثورة التحرير المباركة

 البعد الروحي لثورة التحرير المباركة

بيان تاريخي وقعه الإمام محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والشيخ الفضيل الورتلاني في الأيام الأولى لانطلاق الثورة التحريرية الكبرى المباركة يحرض فيه الشعب الجزائري على الانضمام إلى صفوف المجاهدين  مع جيش التحرير الوطني وكسر طوق الأغلال، ويحذره من مغبة خذلان قضيته التي فيها شرفه وعزه وكرامته، لأن خذلان جهاد التحرير معناه الفناء وعندئذ يكون بطن الأرض خير من ظهرها. ولأهمية هذه الوثيقة التاريخية... إقرأ المزيد

الشيخ محمد البشير الإبراهيمي l مشاهدات :3158 l فذكٌر

أول خطبة جمعة بمسجد "كتشاوى" بعد الاستقلال

أول خطبة جمعة بمسجد

الحمد لله ثم الحمد لله، تعالت أسماؤه وتمت كلماته صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته، جعل النصر يتنـزل من عنده على من يشاء من عباده حيث يبتليهم فيعلم المصلح من المفسد ويعلم صدق يقينهم وإخلاص نياتهم وصفاء سرائهم وطهارة ضمائرهم. سبحانه تعالى جعل السيف فرقانا بين الحق والباطل، وأنتج من المتضادات أضدادها، فأخرج القوة من الضعف وولد الحرية من العبودية وجعل... إقرأ المزيد

الشيخ الامام محمد البشير الابراهيمي l مشاهدات :6148 l فذكٌر